5 دقائق

موسم التحصيل العلمي والعملي

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

ما أعظم أن يكون ولي الأمر مهتماً بالعلم والعمل فيتفاعل مع مناسباتهما السنوية؛ حثاً على التحصيل العلمي النافع، وحضاً على العمل الميداني الجاد!

إنه بذلك يكون قدوة صالحة لشعب متوقِّد بتوقُّد حاكمه لنيل العلا والسعي إلى الصدارة المنشودة، فإن الناس على دين ملوكهم كما تقول الحكمة، وكما قال الحسن البصري، رحمه الله: «كما تكونوا يولَّ عليكم». ويروى حديثاً ولا يصح.

وها هو القائد الرائد الذي يعمل بلا ملل ولا كلل، ويجتهد بلا زلل بفضل الله تعالى، يستهل العام الدراسي بجذوة من نشاط علمي وعملي برسالته الغراء لحكومته المتضمنة برنامجاً عملياً للحكومة والشعب، حتى يقوم الجميع بمسؤوليته، كل في ما يخصه، وأهمها التواجد الميداني بين الطلاب والمعلمين، لا ليتعلموا، بل ليتلمسوا حاجاتهم، ويطلعوا على سير تحصيلهم العلمي، وتأهلهم لسوق العمل الذي ينتظرهم بفارغ الصبر، وما أكثر حاجات طلاب العلم ومعاقل العلم ومدرسي العلم، فالكل ينشد بيت أبي الطيب الشهير:

وفي النفس حاجاتٌ وفيك فطانة.. سكوتي بيانٌ عندها وخطابُ

وها هو صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، حفظه الله، يحث المعنيين بحكومته على النزول إلى هذه الساحات لتلمس هذه الحاجات، فلا يرضيه إلا أن تلبى بأحسن وجوه التلبية، حتى يتحقق طموحه من إسعاد شعبه وقاصدي بلده، المفضِّليه على ما سواه.

إن العام الدراسي الذي حل مُرَحّباً به هو في الحقيقة البناء الأهم لدولة تنشد الصدارة والريادة في كل ممكن، فكان جديراً بأن يهتم به سموه اهتماماً يفوق كل اهتماماته الجليلة الأخرى؛ لأنه الذي يثقف فيخرج الأجيال من ظلمات الجهل إلى نور العلم، ومن دركات التخلف إلى أطوار التقدم، ومن مرحلة الضعف إلى مرحلة القوة، ومن حالة العالم الثالث إلى حالة العالم الأول.. فلا بِدع أن يكون في صدارة اهتمام القائد والأمة، فعلينا إذاً أن نتفاعل مع هذا الاهتمام فيكون هم البيت والمدرسة والمجتمع، وعندئذ سيؤتي ثماره كما يحب سموه ونحبه كآباء وشعب.

إن السنة الدراسية تعني في منهج الحكومة الشيء الكثير، فهي تعني قبل التحصيل العلمي بناء الحس الإيماني وذلك بالافتتاح بآي من الذكر الحكيم، وبناء الحس الوطني بالنشيد الوطني وتمجيد رمزه وهو الحاكم والعلَم، وبناء الفكر النير والشجاعة الأدبية بالكلمة الافتتاحية التي يقدمها أحد الطلاب، فضلاً عن الانضباط والإخاء والتعاون الذي يمثله الطابور الصباحي، ثم يأتي طور التحصيل العلمي الذي يُبذل له الكثير من المال والجهد والفكر، وتتضافر على تحصيله مؤسسات مختلفة تربوية ومعرفية ومالية وأمنية وصحية وغيرها، فتشكل منظومة واحدة لإنجاح العام الدراسي.

وكل هذه الأمور تتطلب تقديراً عالياً من الجميع وعوناً مباشراً من كل من لديه قدرة على الإسهام، لاسيما المدرس والأسرة، أما المدرس فكما يعرف نفسه أنه منشئ أمة، فيذكر بها مدحاً إن هو تفانى في أداء واجبه بحسن تربيته وتعليمه، أو قدحاً إن قصر في شيء من ذلك، على ما يكون له من الأجر أو الوزر، وقد يقال: إن الممدوح في هذا أو الملوم هي المؤسسة التعليمية الجالبة للمدرسين، وهذا وإن كان له جانب من الصواب، إلا أنها ليست الصانعة لإبداع المدرس، فالمدرس هو الذي يصنع نفسه حينما يدرك المسؤولية العظيمة التي حُمِّلها، فهو الذي يسهر على التحصيل برغبة ونهَم قبل العطاء، وعلى التقييم بأمانة ودقة، وليس هذا من مسؤولية المؤسسة، فحالها كما قال الحكيم:

إذا لم يسقها سائق من ضميرها وإلا فأعيت سائقاً بعد سائق.

وأما الأسرة فهي حجر الزاوية في التعليم، فما من أسرة استشعرت مسؤوليتها نحو أولادها إلا حققت مناها بتعليمهم وتربيتهم حتى يصبحوا قرة عين لها، عاجلاً بالتفوق الذي يسره وتُفاخر به الآخرين، وبالراحة من تحمّل مسؤوليتهم عند كبرهم، وعند كبر الأسرة وضعفها، فعلى الأسرة أن تعي هذا الأمر جيداً، وتعلم أنها هي المسؤولة أولاً وأخيراً عما استرعاها الله من صغار ضعاف، لا سيما وقد وجدت الدعم الكافي من الحكومة الرشيدة التي تبذل ولا تبخل.. فعلى الجميع أن يكون عوناً لها ولا يخذلها في جيل البناء والتنمية.

«كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

طباعة