كارثة الأنا وسوء التقدير

عبدالله القمزي

حارب مدير مهرجان «كان» السينمائي، تييري فريمو، شركة نتفليكس في الدورة الماضية، بعد إصراره على وجوب عرض أعمال الشركة في دور السينما الفرنسية شرطاً لمشاركتها في المهرجان. سحبت «نتفليكس» كل أعمالها المشاركة، وعلى رأسها تحفتها «روما»، وأخذتها إلى مهرجان فينيسيا المنافس، وفازت بـ«الأسد الذهبي»!

استمر «روما» في تنصيب نفسه على كل المنصات حتى نال الأوسكار الأجنبي. تنبه فريمو وطار إلى معقل «نتفليكس» للتفاوض أو ربما للترضية! ما حدث سوء تقدير شديد من مدير أكبر مهرجان سينما في العالم تجاه أكثر شركة توزيع أفلام تمرداً.

هذه القصة مثال كلاسيكي لما يعتري النفس البشرية من سوء التقدير، وفريمو بخبرته الطويلة لا يعاني تضخم الذات، والدليل أنه ذهب إلى نتفليكس للتفاوض رغم أنه قال إن الأمر ليس كلياً بيده. لكن هناك حتماً سوء تقدير، وفطن منافسه إلى ذلك واستغل الفرصة وكسب الجولة.

مارادونا عندما درّب الفريق الأرجنتيني في كأس العالم بجنوب إفريقيا 2010، واستهزأ حينها بلاعب الفريق الألماني الصاعد، توماس مولر، عندما قال إنه ظنه ملتقط الكرات التي تخطئ الهدف، فأدبه مولر وسجل على الأرجنتين التي هُزمت في تلك المباراة.

لعقد ونصف العقد ظنت شركة نوكيا أنها المسيطرة على صناعة الهواتف المحمولة، وعندما جاء «بلاك بيري» بالنقلة الثورية وقدم برنامج التراسل الفوري «بي بي إم» على الهاتف الذكي لأول مرة، قالت «نوكيا» عدد هواتفنا في السوق أكثر من أي شركة أخرى، وخلدت إلى النوم، بينما استمرت «بلاك بيري» في تطوير منتجها، لم يستغرق الأمر أكثر من خمس سنوات حتى سقطت «نوكيا» من العرش.

من ناحية نفسية فإن سوء التقدير، الذي يرتبط في أحيان كثيرة بتضخم الذات، كارثة ظهرت في كل الأزمنة منذ فجر التاريخ، لارتباطها بالإنسان منذ أن خلقه الله، عز وجل، وأسكنه الأرض.

أول أسباب الأنا وسوء تقدير قوة المنافس، هو الاستهانة، وهي تأتي مباشرة من الجهل الذي يتسبب في إعجاب المرء بنفسه لأنه يجهل طبيعة نفسه البشرية ويجهل قوة الخصم.

ثانياً كثرة النجاحات: كثرة الإنجازات تعمي الإنسان، فما أسهل أن تظن أنك مميز، وما أسهل أن تعدد مناقبك للناس، وما أسهل لفت الانتباه إلى أنك على العرش! لذلك من الضروري على الشخص الناجح تبني عقلية المبتدئ حتى يضبط تضخم الذات.

ثالثاً استصغار الآخرين: المشكلة التي لا يريد الإنسان التعلم منها، فتراه لا يملّ من الحديث عن نفسه، وإنجازاته، وتكرار ذلك في كل مجلس من دون إعطاء فرصة للآخرين.

رابعاً التبجح والمباهاة، ما يقود إلى التراخي في العمل: يبث التبجح في الإنسان شعوراً خادعاً من الطمأنينة يدفعه إلى إهمال العمل، وتالياً قتل حاسة الإبداع.

بالعربي: في مسلسل Breaking Bad الشهير، عندما تقول سكايلر لزوجها وولتر وايت وهو في نظرها مدرس الكيمياء البسيط: «أنت في خطر». يرد عليها الوحش الذي بداخله ويقول كلاماً اختتمه بجملته الشهيرة: «لست في خطر بل أنا الخطر بعينه»! العبارة الأبلغ في المسلسل وتعكس التحول العميق الذي طرأ على حياته وغيّر شخصيته وأعماه عن الرؤية.. إنها النفس البشرية!

سوء التقدير، الذي يرتبط في أحيان كثيرة بتضخم الذات، كارثة ظهرت في كل الأزمنة منذ فجر التاريخ. 

Abdulla.AlQamzi@emaratalyoum.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

طباعة