5 دقائق

الفقه والتَّفقُّه

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

مما لا خلاف فيه بين الناس أن المعارف والعلوم تتفاوت في الفضل والأهمية والحاجة إليها؛ فليست على وِزانٍ واحد قطعاً، مع أن مجموعها مهم لكل الناس بحيث لو تُرك علم منها لوُجِد خلل في المجتمع، وهو ما يسمى بالواجب الكفائي، فيلزم أن يكون في مجموع الناس عالم في كل فن شرعي أو أدبي أو طبي أو اجتماعي أو مهني أو فيزيائي أو كهربائي أو فلكي أو رياضي أو غير ذلك من العلوم الكونية؛ لأن كل ذلك مما لا غناء للمجتمع عنها، إذ بها يتمكن الناس من عمارة الأرض والاستفادة من خيراتها فيؤدوا واجب الاستخلاف من معرفة الله تعالى وعبادته وحده سبحانه، وقد أشاد القرآن الكريم بكل العلوم النافعة كما في آيتي 26-27 من سورة فاطر والتي ختمت بقوله سبحانه: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ}، فأشارتا إلى أن كل تلك العلوم توصل إلى خشية الله إذا أُخذت بتجرد.

وكل هذه المعارف تفتقر لعلم الفقه، أي علم معرفة الأحكام الشرعية التكليفية، والأحكام الوضعية التي هي كالوسائل للأحكام التكليفية من معرفة الأسباب والشروط والموانع والرخص والعزائم، وما تنبني عليه هذه الأحكام من أصول وقواعد ومقاصد؛ لذلك كان التنويه بهذا العلم أكثر من غيره كما يشير إليه قوله سبحانه:{فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُون}، والمعنى لِينفر من كل فئة فرقة من الناس لتحصيل الفقه في الدين، وليس المراد السفر لذلك، بل أن تنهض لتتعلم فإن وجد في البلد فذاك، وإلا رحلت إليه حتى تحصله ثم تعود به إلى قومها وتفقههم في الدين، فكان شأنه عظيماً، ولذلك جعله النبي صلى الله تعالى عليه وسلم معيار الخيرية كما روى الشيخان عنه صلى الله عليه وآله وسلم: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين». وروي أنه قال: «ما عُبِد اللهُ بشيءٍ أفضل من فقه في الدين».

والسر في الأمر بالنفير إليه؛ أنه لا مجال أن يتناول الإنسان الأحكام الفقهية التي كُلِّف بها بنفسه من غير تأهُّلٍ حقيقي، ولا يخلو حال من حاجته إليها، فكان لزاماً عليه أن يعرف الحلال من الحرام، والواجب من المندوب، وسبب الحرمة أو الوجوب، وشرط تحصيل الواجب أو استباحة المحظور.

ولا ريب أن هذه المعرفة تحتاج تأهيلاً ذاتياً بتعلم مبادئ العلوم والقدرة المؤصَّلة للاستنباط كما يحتاج ذلك الطبيب والمهندس وغيرهما، فإنه لا يُمكَّن أحد من التطبيق العملي في مثل هذه العلوم إلا عن دراسة وخبرة وإشراف أساتذة ووسائل مادية وغير ذلك، فالفقه في الدين أهم من كل ذلك؛ لأنه ينبني عليه مصير المرء في دينه ودنياه وأخراه، كما تنبني عليه حقوق العباد وحقوق المجتمع والبيئة والسلم والحرب.

وقد دل على خطورة ادعاء الفقه المباشر ذلكم الزلل الكبير الذي يقع فيه أولئك المتفيهقون؛ فمنهم من يأتي على الثوابت فينقضها بحجة فهمه، ومنهم من يأتي إلى نص فيفهمه خارج سياقه فيقع في المحظور، ومنهم من يجتهد في مورد النص فيكون اجتهاداً في غير محله من غير أهل له، ومنهم يترخص في موضع العزيمة أو العكس.. وهكذا تحدث أمور منكرة فتشيع بين الناس فيظن الناس أن الحكم الشرعي كذلك، فتحصل الفوضى الفقهية التي تؤدي إلى الاستهانة بالفقه علماً والفقهاء قدراً، وكل ذلك مما لا يقبل شرعاً ولا عقلاً، ولهذا نجد الحق سبحانه وتعالى لم يُعفِ أحداً ممن لا باع لهم في الفقه ولا ذراع، حتى أوجب عليهم التفقه ولو بالحد الأدنى وذلك بسؤال الفقهاء لما يحتاجونه من الأحكام الشرعية كما قال سبحانه: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}، والأمر فيه للوجوب.

فما أحرى الإنسان أن يكون مبادراً لهذه الخيرية وأن يتفقه حتى يكون فقيهاً، وكما قالوا:

إذا ما اعتزَّ ذو علم بعلم * فعلم الفقه أولى باعتزازِ

فكم طيبٍ يفوح ولا كمسك * وكم طيرٍ يطير ولا كبازِ

نسأل الله أن يفقهنا في الدين ويعلمنا التأويل.

«كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة