احترام التخصص

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

مما اتفق عليه عقلاء البشر أن التخصصات العلمية محترمة، فلا يقبلون من غير المتخصص في فن أن يتصدّر لتقرير أو إفتاء أو تأليف أو توجيه في غير فنه؛ لما في ذلك من الجناية على العلم، وفتنة الناس وتضليلهم، ثم ليكون هو نفسه مصوناً عند غيره فلا يُستهدف بالنقد أو الرد.

سُنَّت قوانين رادعة لمن يتطبب وهو غير طبيب لأن الطب يحفظ الأبدان،  وغير الطبيب يؤذي الناس ويضرهم بأبدانهم بوصفاته غير الصحيحة.

وقد جاء الإسلام فأرسى هذا المبدأ المعرفي الإنساني يوم أن دعا الناس إلى التوجه بالسؤال لأهل الاختصاص دون غيرهم، فقال في محكم التنزيل: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، أي أهل التخصص في المجال المسؤول عنه لا غيرهم، يأمر بذلك مرتين في الكتاب العزيز، وهو أمر إيجاب في مسائل الدين، وندب في غيرها، ذلك أن من لا يعرف يكون فاقداً للإفادة، وفاقد الشيء لا يعطيه كما تقوله القاعدة المسلمة بين الناس، فإن سأل من لا يعرف فإنه يكون مقصراً ولا يعفيه ذلك من المسؤولية الدينية، ولترسيخ هذا المعنى التخصصي كان النبي صلى الله عليه وسلم ينوه بتخصصات أصحابه الكرام إشادة بهم فيقول: «أرأف أمتي أبوبكر، وأقواها في أمر دين الله عمر، وأصدقها حياء عثمان، وأقضاها علي، وأقرؤها أُبَيُّ، وأفرضها زيد، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، ولكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبوعبيدة بن الجراح»، ليكون الناس على بيِّنة من هذه التخصصات حتى يلجؤوا إليها عند الحاجة، أو لترجيح قول صاحب التخصص عند التعارض.

وهكذا سار عمل الناس وعرفهم تالداً وتالياً، فالمهندس لا يحسن أن يتكلم في غير فنه، والطبيب كذلك، والأديب والمؤرخ واللغوي والفقيه والمحدث، كلهم لا يقبل منهم قول إلا في ما عانوه وتخصصوا فيه، حتى إنه عيب على المحدثين عيباً شديداً وقاسياً إذا تحدثوا في الفقه - بما لا يحسن ذكره هنا - مع أن الحديث هو مصدر الفقه الثاني، ولكن المحدث الراوي قد لا يحسن الاستنباط الفقهي، فلم يعتد بفقههم، فكيف إذا أتى غيره من ذوي التخصصات البعيدة ليتحدث في غير فنه؟! إن حديثه يكون سمجاً عند أهل الفن، ويضرب به عرض الحائط، مع شدة النكير، وقد يكون الأمر سهلاً، ولكن العلم أمانة، حتى لا يضيع بين تقريرات أو تأليفات غير المتخصصين.

وقد سُنَّت قوانين رادعة لمن يتطبب وهو غير طبيب لأن الطب يحفظ الأبدان، وغير الطبيب يؤذي الناس ويضرهم بأبدانهم بوصفاته غير الصحيحة، وقد ورد في الحديث: «من تطبب ولم يعرف منه طب فهو ضامن». وليس ضرر هذا المتعالم في الطب بأكثر من المتعالم في الدين، فإن الإضرار بالدين أشد خطراً وأكبر أثراً، فما أصاب الناس من ويلات ونكبات في أبدانهم وأوطانهم وأرزاقهم إلا بسبب أولئك الذين تكلموا في الدين وهم ليسوا من أهله، فضلوا وأضلوا عن سواء السبيل، والشعوب تعرف ذلكم الخطر لذلك تهب عندما يقتحم حمى المعارف من غير المتخصصين، فترفع القضايا ويقضى على المتعالمين، ويحملون التبعات الكثيرة، كل ذلك في قضايا المعارف العلمية من طب أو هندسة أو نحوها مما يمس الحياة الإنسانية، إلا أننا نجد تهاوناً كبيراً في القضايا الدينية الخطيرة التي تمس المعتقدات أو الثوابت النصية أو الفقهية.

وقد دخل رجل على ربيعة - شيخ الإمام مالك - فوجده يبكي، فقال: ما يبكيك؟ أمصيبة دخلت عليك؟ - وارتاع لبكائه - فقال: لا، ولكن استُفتي من لا علم عنده، وظهر في الإسلام أمر عظيم. ثم قال ربيعة: ولَبعض من يُفتي ها هنا أحقُّ بالحبس من السُّرَّاق. أي: أحق بأن يحبس ويسجن من اللصوص. وقال الحافظ ابن حزم رحمه الله تعالى: لا آفة على العلوم وأهلها أضر من الدخلاء وهم من غير أهلها، فإنهم يجهلون ويظنون أنهم يعلمون، ويفسدون ويقدرون أنهم يصلحون.

والمقصود هنا هو التنبه لمن يتصدى لمسائل الدين تفسيراً أو حديثاً أو فقهاً أو فكراً وهو من غير أهله، فيقال له ما قيل في المثل السائر: مكانك تحمدي أو تستريحي.

 «كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

طباعة