5 دقائق

تخليد آثار العظام

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

من وهبوا حياتهم لنفع الناس فحقُّهم أن يُذكروا، ومن الواجب أن يُشكروا، ومن الخير أن يؤتسَى بهم في أقوالهم وأفعالهم.

والناس في هذا الباب أصناف وأجناس، فمنهم من ينفع فرداً أو فردين، ومنهم من ينفع جماعة، ومنهم من ينفع شعباً، ومنهم من ينفع أمة، كما أن منهم من ينفع بعلمه، ومنهم من ينفع بماله، ومنهم من ينفع بحكمته وحسن سياسته وتدبيره، وكما قال شاعر النيل، رحمه الله:

ويهزني ذكر المروءة والنَّدى ... بين الشمائل هزةُ المشتاقِ

فإذا رزقتَ خليقةً محمودة ... فقد اصطفاك مقسمُ الأرزاقِ

والناس هذا حظُّه مالٌ وذا ... علمٌ وذاك مكارم الأخلاقِ

والذي كان عليه المغفور له الشيخ زايد بن سلطان، طيب الله ثراه، هو ذلك كله، فلذلك كان شامة بين الناس، ودُرَّة بين الحكام، وعنواناً بارزاً لكل معاني المحبة والعطاء والإيثار.. ومثل ذلك ينبغي أن يخلد للآتين، ويكون حدَثاً متجدداً في الغابرين، ولعل ذلكم الصرح الشامخ الذي هو «أيقونة بديعة، تروي حكاية قائد أسس دولة، وأرسى دعائمها، ورسم مستقبلها، وألهمَ رجالاً كانوا خير قادةٍ لوطنٍ يكتب كل يوم إنجازاً جديداً»، كما قال سمو الشيخ سيف بن زايد، حفظه الله، فلعله يعبّر عن ذلكم الرجل العظيم، فإنه بني ليكون رمزاً لمن خلفه من شعبه وأمته، حتى يكون حاضراً في وجدانهم بسياسته الحكيمة، وتخطيطه الفريد، ونظره الثاقب، وعطائه الغدِق، وبنائه الثابت، وتخطِّيه المستحيل، وإسعاده غيره، و كسبِ محبة الناس أجمعين..

ولا غرو في ذلك، فشواهد أفعاله أكثر من أن تذكر، وأشهر من أن تشهر، ولكن بناء صرح مهيب على ذلكم المستوى اللائق بمكانته يجعل من ذكراه واعظاً حياً في قلب كل زائر وناظر ومتجول في ذلكم الصرح، ويوحي بشيءٍ من مآثره العظيمة.

ولعله إن طالت بنا الحياة ندرك، إن شاء الله تعالى، يوماً تقام له جائزة أعظم من جائزة نوبل لكل فرع من فروع حياته النافعة للناس أجمعين، ولقومه وشعبه على التعيين، فإنه بها جدير، ولمستواه مناسب.

إن زايد الخير الذي نعيش في ذكرى مئويته، وعام خيره الوارف، فما من أحد إلا وهو يعرف زايد المؤسس، وزايد الباني، وزايد الوالد الحاني، وزايد الذي تفخر به الأمة العربية والإسلامية، لكبير حكمته وجزيل حنكته، ويعتز به شعبه؛ حقه أن تبنى له صروح المحبة وأبراج الفخار، وهي بلا شك مغروسة في الأفئدة أكثر من شاخصات الأبنية، مهما كان تشييدها رائعاً، غير أن بناءً كهذا يكون محركاً لضمائر الأحياء، من باب قول الشاعر:

إذا ما رأيتَ الصبحَ والبدر ُطالعٌ ** ذكرتكمُ والشيءُ بالشيء يذكرُ

فبناء صرح كهذا هو في الحقيقة «رسالة مهمة، تصل الأجيال القادمة بذكرى قائد وضع أساس نهضة وطنهم، وضمن له مقومات العزة والكرامة.. رسالة يجب على الشباب استيعاب مضمونها، والعمل على ترجمة محتواها إلى إنجازات في شتى القطاعات من أجل مواصلة المسيرة التي بدأها زايد وجيل المؤسسين، ليرسم الشباب مستقبل وطن لم يرد لأبنائه منذ ساعاته الأولى سوى أن يكونوا دائماً في أعلى مراتب التميز والنجاح»، كما قال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، حفظه الله ورعاه.

فليخلد التاريخ زايد الخير حتى يعيش حياً في وجدان كل مطلع على إنجازاته، وهذا هو العمر المديد الذي يحرص عليه العقلاء من البشر، وكما قال شوقي:

فارفع لنفسك بعد موتك ذِكرها ** فالذكرُ للإنسان عمرٌ ثاني

وهو الذي أشار إليه الحق سبحانه بقوله: {وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ}.

وليعشْ الجميع في تلك المكارم التي أسسها زايد، وسار عليها أبناؤه وإخوانه، وسيسير عليها الأحفاد، إن شاء الله تعالى، حتى تكون الإمارات في صدارة الأمم رُقياً وسعادة وتميزاً في كل فضيلة وخَلَّة كريمة.. وبالله التوفيق.

«كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

 

طباعة