كل يوم

المبالغة في الشيء تفسده..

سامي الريامي

إذا دخلت «المبالغة» من باب، خرج العقل والإبداع من باب آخر، فالمبالغة في الشيء تقضي عليه تماماً، وتؤدي حتماً إلى نتائج عكسية وسلبية، و«الفشل» هو المحصلة النهائية للمبالغة.

شخصياً لست مع المبالغة في تصميم شجرة عيد الميلاد، وملئها بالمجوهرات الثمينة، لتصبح الأغلى من نوعها في العالم، لكني أيضاً لست مع خطيب الجمعة الذي طالب المصلين بعدم تهنئة أي شخص غير مسلم بعيد، مهما كان هذا العيد، واعتبر ذلك محرماً شرعاً، وهو من الكبائر التي تسبب غضب الله وسخطه!

شحن الناس لمعاداة معتنقي الديانات الأخرى، ليس من سياسة دولة الإمارات، ولا أعتقد أيضاً أنه من سياسات وتعاليم الإسلام، فالإسلام دين أخلاق ومحبة، هذا ما نعرفه، وليس دين تشدد واعتبار الآخر كافراً لا يمكن مشاركته الحياة، أو الحديث معه، أو السلام عليه، هناك أخلاق إنسانية في المقام الأول يحثّ ويحضّ عليها الدين، أبسطها معاملة الآخرين بآدمية وإنسانية وأخلاق حميدة، وكم من أناس دخلوا الإسلام فقط لأنهم لمسوا معاملة طيبة، من تجار ودعاة وأفراد مسلمين!

من لا يريد الاحتفال، فلن يجبره أحد على ذلك، ومن لا يريد تهنئة الأجانب بعيدهم فلا يفعل، لكن ما الداعي لإقحام الدين وغضب الله وسخطه على مسلم لأنه قال لمسيحي: «كل سنة وأنت طيب»، أليس الله هو من قال: «لكم دينكم ولي دين»!

لا أريد أن أقحم نفسي في فتاوى تفتح عليّ سهاماً وناراً، لكنني هنا أتحدث عن علاقات إنسانية فقط، نحن في مجتمع يغلب عليه طابع التسامح، وعلاقات الناس ببعضهم علاقات متداخلة ومتشابكة وجميلة في كثير من الأحيان، المسلم يعمل بجنب غير المسلم، قد يترأسه في شركة، وقد يكون موظفاً صغيراً عنده في شركته، متجاورين في المكاتب والمنازل والشقق السكنية، هل من الإنسانية والعقل إثارة الجفوة بين الجيران وأصدقاء العمل؟ أين المشكلة في تبادل التهاني في مناسبات عامة من هذا النوع؟ لماذا تجدهم هم أكثر الناس مشاركة لنا في أعيادنا، يفرحون معنا ويهنئوننا، ليس في الإمارات فحسب، بل حتى في دولهم، وحتى في مجتمعاتهم، لدرجة أن الأميركان الذين يعتبرهم كثير من المسلمين أشد الأعداء، لا يمضي شهر رمضان المبارك، إلا ويقيم فيه الرئيس الأميركي حفل إفطار للسفراء المسلمين؟

بالتأكيد هذا لا يعني أن نبالغ أيضاً ونصنع أعلى وأغلى شجرة ميلاد، ولا ينبغي أن تطغى الاحتفالات في مدارس خاصة تعتبر وطنية، فالمبالغة هنا أيضاً كانت لها آثار سلبية علينا في كل الدنيا، حتى بالنسبة للأجانب داخل الدولة وخارجها، لم يتقبلوا هذه المبالغة، ولم يقتنعوا بها، فكانت بحق أفكاراً فاشلة لا نتمنى تكرارها مستقبلاً، لابد من الاعتدال في كل شيء، الاعتدال في المشاركة، والاعتدال في الاحتفال.

عام جديد أشرق أمس، سيشرق على المسلمين وغيرهم، على كوكب يضمنا ويضمهم، نتمنى فيه أن يسود الخير والسلام العالم، وإن كنّا في شكّ من هذه الأمنية، فالأهم بالنسبة إلينا أن يسود الخير والسلام أرجاء دولتنا، وأن يديم الله علينا الأمن والأمان الذي يشعر به كل من يعيش على هذه الأرض الطيبة.

reyami@emaratalyoum.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه.

طباعة