صور اعتماد اقتصادات المنطقة على الخارج «2»

نجيب الشامسي

إن الاعتماد شبه الكلي لدول المجلس على اقتصادات عالمية في تلبية احتياجات المجتمع من السلع الغذائية والاستهلاكية يشكل إحدى صور ارتباط اقتصادات المنطقة بالخارج.

وجاءت الأزمة الغذائية في عام 2008 بسبب ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية والغذائية والصناعية في الدول المصدرة لتسجل الأسعار ارتفاعاً قياسياً، ومعها معدلات التضخم المستورد التي أثرت في الأوضاع الاقتصادية بدول المنطقة، ثم الاجتماعية والمعيشية، كما أثرت وبشكل مباشر في البيئة الاستثمارية بدول المنطقة.

ومن صور الارتباط بالخارج أيضاً ارتباط القطاعات المالية والمصرفية بالأسواق المالية والقطاعات المصرفية الغربية، خصوصاً في ما يتعلق بودائع واستثمارات دول المنطقة في تلك الأسواق، ومنها منطقتا الدولار واليورو، واستقطبت الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية النصيب الأكبر من الأصول الأجنبية والاستثمارات في هيئة ودائع وسندات حكومية وأصول في العقارات وأسهم في الأسواق المالية، وتشير التقارير إلى تزايد حجم الاستثمارات في السنوات الأخيرة، لكن لا توجد بيانات حول حجمها الحقيقي أو توزيعها الجغرافي، أو قنوات استثمارها.

والملاحظ أن دول الخليج أضحت وجهة استثمارية عالمية، حيث تبدي الشركات والمصارف الأجنبية، ومنها شركات التمويل، حرصها على الوجود في الأسواق والقطاعات الاقتصادية بمختلف دول المنطقة، وهناك تدفقات مالية أجنبية مباشرة دخلت اقتصادات دول الخليج وأسواقها خلال السنوات الأخيرة، وأسهمت في ارتفاع معدلات النمو الاقتصادي في دول المنطقة وتوافر مستويات عالية من السيولة، وتفعيل دور القطاع الخاص، وفي المقابل فإن استثمارات دول الخليج الحكومية والخاصة التي توجه للأسواق والاقتصادات الأجنبية، خصوصاً الغربية منها، التي تقدر بنحو ثلاثة تريليونات دولار، تجد صعوبة في الحركة أو سحبها أو تنويع قنواتها أو مواقعها الجغرافية للاستثمار فيها.

ومن صور الارتباط أيضاً ارتباط عملات دول مجلس التعاون بالعملات الأجنبية، لاسيما الدولار الأميركي، حيث تقيّم صادرات دول الخليج ووارداتها بالدولار، وكذلك تقيم استثماراتها وأصولها الأجنبية بالدولار، ومن الطبيعي أن يؤثر التذبذب في أسعار الدولار في القوة الشرائية لعملات دول الخليج واستثماراتها وأصولها الأجنبية وتجارتها الخارجية.

إن الانفتاح غير المدروس أمام الاستثمارات الأجنبية، خصوصاً أن أربعاً من ست دول من دول الخليج أصدرت قوانين للاستثمار الأجنبي، أسفر تحت مظلة هذا القانون وضعف القوانين والتشريعات الاقتصادية والاستثمارية الأخرى، عن دخول المضاربين والمخربين والمتربصين باقتصادات المنطقة، فضلاً عن تنافس دول الخليج على تقديم تسهيلات ومزايا للاستثمارات الأجنبية، من دون دراسة مستفيضة لجدوى تلك الاستثمارات وطبيعتها، حتى لو كانت السيولة التي جاءت بها الاستثمارات هي سيولة ساخنة، أو رؤوس أموال رديئة، أو أن أهدافها مشبوهة، إذ إن الاستثمارات الأجنبية غير الحقيقية «الاستثمار المالي» أوجدت سيولة ساخنة كانت سبباً في التلاعب بأسواق العقارات في دول الخليج، من خلال مضاربات وهمية؛ إذ رفعت سعر المنتج المالي من دون وجود ما يدعم هذا الارتفاع، وحينما خرجت السيولة الساخنة من أسواق العقارات كان من الطبيعي أن يؤدي ذلك إلى انخفاض حاد في العقارات الخليجية، وكان للسيولة الأجنبية الساخنة أثر سلبي واضح في أوضاعنا الاقتصادية في ظل الأزمة المالية العالمية 2008.

 

alshamsi.n@hotmail.com

طباعة