أخلاقيات الوظيفة العامة

سامي الريامي

قبل أعوام عدة، ضج الرأي العام الألماني على اثنين من كبار المسؤولين الحكوميين المؤهلين للحصول على مناصب قيادية في الحكومة الألمانية، وسبب ضجة الرأي العام على هذين «الموظفين» هو خبر بسيط نشره صحافي أثبت بالدليل القاطع أنهما استغلا منصبيهما لتحقيق مكاسب شخصية.

لكم أن تتخيلوا تفاصيل هذا الاستغلال! ثبوت حصولهما على «أميال جوية» لطيران «لوفتهانزا»، نظير رحلات عمل «رسمية» كانا يقومان بها، ومن ثم استغلال هذه «الأميال»، والحصول على مكاسب تتمثل في تذكرة سفر«مجاناً»، أو «أب غريد» من درجة رجال الأعمال إلى الدرجة الأولى، أو عروض ترفيهية أخرى من الشركة، المهم أنهما استخدماها لاحقاً بشكل «شخصي»، بعيداً عن مهام العمل!

لم يسرقا، ولم يختلسا الملايين، ولم يمدا الأيدي من تحت الطاولات، كل ما في الأمر مجرد «نقاط وأميال»، لا تسمن ولا تغني من جوع لموظف كبير في حكومة ألمانيا، ولكن مع ذلك أقرا بالخطأ، وقدما استقالتيهما على الفور، بعد أن «فاحت» القضية في وسائل الإعلام!

الموظف «الحكومي»، مهما كانت درجته أو منصبه، لا يعرف في كثير من الأحيان الفرق بين المزايا المنصوص عليها أثناء توقيع العقد، والمزايا الإضافية التي ينتزعها بحكم جلوسه على كرسي المسؤولية.

وبالتأكيد أيضاً، لا أقصد السرقة، أو الاختلاس، أو التكسب غير المشروع، أو الحصول على «رشوة»، فهذه جرائم منصوص عليها قانوناً، ولامجال للاختلاف عليها، لكن هناك الكثير من الأمور الأخرى، لا تصل درجة تصنيفها إلى مستوى الجريمة، لكن لا يمكن أيضاً استبعادها من قائمة «استغلال المال العام»، والاشكالية تكمن في كيفية وضع الضوابط لهذه الأمور، خصوصاً أن الموظف يستطيع وبكل بساطة الرد على ذلك بالرجوع إلى عقد العمل، الذي يُغفل مثل هذه الأمور، وبالتالي ما لم ينص عليه العقد، فلا يملك أحد أن يحاسب الموظف عليه.

من هنا تأتي مسألة «أخلاقيات» العمل، وهي في الغالب مواثيق شرف، يطبقها الموظف أثناء فترة عمله، وتركز دائماً على عدم استخدام المال العام لأغراض شخصية، مهما كان هذا الاستخدام بسيطاً.

لايجوز مثلاً استخدام «الفاكس» لإرسال صورة جواز الخادمة لمكتب الخدم، ولا يجوز أيضاً استخدام هاتف المكتب للمكالمات «الحميمة»، بعيداً عن أعين الزوجات في البيوت، كما لا يجوز استخدام «الكمبيوتر» لتبادل الرسائل الإلكترونية المملوءة بـ«النكات» والصور وأخبار المنتديات وجميع الأمور التي لا علاقة لها بالعمل.

قائمة طويلة عريضة، لا يمكن حصرها، ولايمكن أن تتضمنها بنود العقد أو القانون، منطقة «رمادية» بين المسموح والممنوع، على جميع الموظفين الحرص على تجنبها، ليس خوفاً من العقوبة إنما إرضاءً للضمير.

هذا الضمير هو الذي جعل عمر بن عبدالعزيز يشعل السراج عندما يحتاجه للأمور المتعلقة بالدولة، ويطفئه فوراً عندما يصل الموضوع للاستخدام الشخصي، وهو ذاته الذي جعل مسؤولَي الحكومة الألمانية يستقيلان من أجل «أميال». والسؤال هنا، ترى كم موظفاً يتوقع أن يقدموا استقالاتهم لو صحا هذا الضمير فجأة؟

 

reyami@emaratalyoum.com

طباعة