EMTC

ضرب الحبيب زبيب

زياد العناني

هل يكفي المرء أن يكون مستشرقاً أو متخصصاً بالتاريخ العربي، أو حتى مدافعاً عن «قضايانا» الكثيرة من المحيط إلى الخليج، مثل المستشرق الإيطالي إيروس بالديسيرا، لكي يحق له أن يؤكد ويقول إن «خطاب الاستشراق انطلق من نزعة موضوعية وإنسانية، وإنه أفاد الغرب والشرق على حد سواء».

هل يستطيع بالديسيرا ـ مهما كان كانت نيته أو مكانته الأكاديمية، أوصفته التي يحاضر بها الآن في جامعاتنا ـ أن يمحو اللون الأسود أو الأحمر من صفحة الاستشراق، كما يمحو كل ما علق بها من أهواء ونزعات عرقية وعنصرية وأيديولوجية، ويبدل بها النزعة الموضوعية والإنسانية، بمعزل عن التاريخ ويغيّر السير والمرويات التي واكبت الحملات الاستعمارية التي كانت يجهزها الغرب قبل احتلال كل منطقة، لتكون عينه الراصدة في كل مكان.

هل يعرف بالديسيرا أن العرب أخفقوا تماماً في إنتاج خطاب الاستغراب المضاد أو الخاص بهم، لأنهم بلا أي قوة عسكرية يرتكزهذا الخطاب عليها؟!

هل يؤمن بالديسيرا بالتفاعل الخلاّق بين رؤى الغرب والشرق، عبر التأمل النقدي، وتأكيد التسامح الذي يستلهم التعددية والتنوع الثقافي لدى شعوب العالم وأممه المختلفة؟ أم أن هذا الكلام مجرد لغو محاضرات لا يتعدى المناسبة التي قيل فيها ؟

واذا كان الإيمان بالتسامح صحيحاً كما يتحدث نصيرنا بالديسيرا، فمن هي الجهة المعنية بتطبيق التسامح برأيه؟ وهل يجب أن يتم تطبيقه من قبل طرف واحد أم من قبل الطرفين؟

أما الأسئلة الصارخة المتبقية هنا، فهي لماذا يصرّ هذا المستشرق على تأثر العالم بالأدب الغربي وينسى تأثر الغرب بالشعوب الأخرى، ومنها العرب؟ ولماذا يؤكد أن تطور الأدب العربي الحديث ارتبط بتأثيرات التثاقف وتقليد الموضوعات والأجناس الأدبية الغربية، وهضمها على النحو الذي تماهت فيه مع الشخصية العربية وهويتها الثقافية، والتصورات الذهنية المستعارة من الغرب؟ ولماذا ينكر تأثيرالشرق القوي في الأدب الغربي؟

ها نحن عند بالديسيرا بلا رواية حديثة تذكر، حتى إن حكاية منح الروائي نجيب محفوظ جائزة نوبل للآداب، لم تعجب هذا المستشرق، فأطاح بها وقال إنها «جاءت ضمن مجاملة السياسية. وإن لجنة نوبل نفسها، لم تكن مطلة على نتاج محفوظ من خلال لغته الأصلية، وإنما من خلال الترجمات الفقيرة».

أما مسك الختام في ما يدعي بالديسيرا، فيكمن في السخرية المرة أيضاً من الفرصة المتاحة أمام الشاعر «أدونيس» لنيل جائزة نوبل، وذلك لأنه يعده من ألمع المثقفين العرب، لكنه لا يتوقف عن القول: «لا أستطيع اعتباره شاعراً بشكل متكامل»، من غير أن يصمت أو ينصت إلى تجربة هذا الشاعر العربي التي لا تقيم بحسب هذه الاعتبارات الآتية من قبل مستشرق لم تتطور علاقته بالعربية إلى حد يمكنه فيه الاستغناء عن المترجم، ومن ثم الحكم على أدونيس وإسهاماته في المشهد الشعري العربي.

zeyad_alanani@yahoo.com

طباعة