المحكمة تستأنس بتقرير الباحثات الاجتماعيات في تحديد العقوبة

«توبيخ الجانحين» تدبير لحماية المراهقين من الانحـراف

صورة

قال المحامي العام، رئيس نيابة الأسرة والأحداث في دبي، المستشار محمد رستم بوعبدالله، إن التوبيخ، والتسليم إلى الأهل يعد من التدابير العقابية الأكثر شيوعاً للأحداث المدانين في الجرائم الأكثر ارتكاباً من هذه الفئة، مثل الاعتداءات والسب أو المشاجرات، وهذا التدبير يراعي مستقبل الحدث في مرحلة المراهقة المعقدة التي تتسم بالجموح والاندفاع.

وأضاف بوعبدالله، في حوار مع «الإمارات اليوم»، أن الباحثات الاجتماعيات في النيابة العامة «الأسرة والأحداث» لهم دور مهم في قضايا الأحداث، إذ تدرس الباحثة الحالة من جميع النواحي النفسية والاجتماعية والاقتصادية، وتُعد تقريراً يستأنس به القاضي، تختمه برأيها في الحالة وتقديرها للتدبير أو العقوبة المناسبة، وللمحكمة القرار النهائي.

ورصدت «الإمارات اليوم» عدداً من قضايا الأحداث التي قضت بها محاكم دبي بالتوبيخ، من بينها قضية مراهقة خليجية وُبّخت وسُلّمت إلى أهلها لسبّها طفلاً بعبارات بذيئة أثناء وجوده في مطعم مع والده، وفي واقعة أخرى قضت المحكمة بتوبيخ (طفل - 11 سنة) سبّ رجلاً أثناء وجودهما سوياً في حديقة عامة، وتم تسليمه إلى ولي أمره مع أخذ سند تعهد عليه بحسن رعايته، وقضت المحكمة بالتدبير ذاته بحق أربعة مراهقين يبلغون من العمر 15 عاماً من دول خليجية وآسيوية وعربية، بعد إدانتهم بالاعتداء والسب المتبادل، وسُلّموا لذويهم مع تعهد بحسن رعايتهم.

وتفصيلاً، قال رئيس نيابة الأسرة والأحداث في دبي، المستشار محمد رستم بوعبدالله، إن هناك مساراً إلزامياً يجب أن تتخذه دعاوى الأحداث داخل النيابة العامة، إذ يجب أن يمر الملف على قسم الباحثات الاجتماعيات، لبحث حالة الحدث، ودراسة الظروف المحيطة به، سواء من الناحية الاجتماعية أو الاقتصادية أو النفسية، وتقدير ملابسات الواقعة، ومن ثم إعداد تقرير شامل يُرفع إلى المحكمة التي تقرر التدبير أو العقوبة اللازمة، سواء التوبيخ أو التسليم أو الإيداع في المؤسسات الإصلاحية للأحداث.

وأضاف أن وكيل النيابة ينظر عادة إلى الجانب القانوني للواقعة، وتهتم الباحثة الاجتماعية بالجوانب الإنسانية، ما يعكس أهمية دورها في مثل هذه الدعاوى، لأنها توفر للمحكمة صورة كاملة تساعدها في تكوين عقيدتها والوصول إلى حكم مناسب.

وأشار بوعبدالله، إلى أن تقرير الباحثة يتضمن تحديد الأسباب التي قادته إلى ارتكاب الجريمة المحال بسببها إلى النيابة، ثم تذكر رأيها الشخصي في الواقعة بناءً على المقدمات والملابسات، وتقترح عقوبة مناسبة، سواء تدبير التوبيخ أو التسليم أو الإيداع، وبناءً على الملابسات وتقرير الباحثة وتفاصيل الملف بالكامل تقرر المحكمة.

وأوضح أن تدبير التوبيخ والتسليم لولي الأمر يترجم حرص الدولة على إصلاح الحدث وليس مجرد عقابه، وذلك حفاظاً على مستقبله، في ظل التغيرات الفسيولوجية والنفسية التي تطرأ عليه في هذه المرحلة العمرية، والتي تجعله أكثر اندفاعاً وجموحاً.

وأكد أن النيابة العامة في النهاية تحتكم إلى القانون، لذا كانت حريصة على تعزيز دور الباحثات الاجتماعيات، لدراسة حالة الحدث، وضمان تطبيق روح القانون حياله، حفاظاً على مستقبله، وإتاحة الفرصة لتقويمه وإصلاحه، مشيراً إلى أن كثيراً من الأشخاص الناجحين في حياتهم ارتكبوا هفوات في مرحلة الطفولة والمراهقة.

ولفت بوعبدالله، إلى أن هناك تطوراً مهماً في هذا الملف خلال المرحلة المقبلة، يتمثل في إنشاء مركز لرعاية الأحداث الجانحين في دبي، مشيراً إلى أن المشروع ثمرة مناقشات مطولة بين الجهات ذات الصلة، وسيوفر الرعاية والتقويم والإصلاح المناسبين للأحداث الذين لا يستطيع ذووهم السيطرة عليهم أو تقويمهم.

وأوضح أن المركز سيمنح القاضي خيارات إضافية بديلة للتوبيخ والتسليم، فيصدر حكماً بإيداعه المركز لضمان إصلاحه بصورة مناسبة، وحماية مستقبله من الانحراف.

ولفت إلى أن هناك حالات لأحداث يعجز ذووهم عن التعامل معهم بسبب جنوحهم، ويشكو الأب انحراف ابنه، وإيذاءه لبقية أشقائه أو أفراد أسرته، ويوفر المركز فرصة لإيواء هذه النماذج وتقويم سلوكياتهم وتهذيبهم، حتى لا يعاودوا ارتكاب هذه السلوكيات مجدداً.

وقال بوعبدالله إن إجمالي الأحداث الذين تورّطوا في قضايا بشكل عام خلال العام الجاري 241 حدثاً، معظمهم من الذكور بواقع 222 حدثاً ذكراً، و19 من الإناث، فيما بلغ عددهم 201 حدث خلال العام الماضي، بواقع 181 ذكراً، و20 أنثى.

وشملت القضايا، مراهقة (16 عاماً) قضت المحكمة بتوبيخها وتغريمها 1000 درهم مع صديقتها لسبّهما طفلاً بعبارات بذيئة أثناء وجوده في مطعم مع والده، لاعتقادهما أنه اعتدى على ابن المتهمة الثانية.

وعُرضت المراهقة المتهمة على باحثة اجتماعية بنيابة الأسرة والأحداث في دبي، وانتهت الباحثة في تقريرها إلى أن الفتاة تتسم بالعدائية، ولا يُستبعد جنوحها مستقبلاً.

وتضمنت القضايا، واقعة اعتداء تورّط فيها أربعة مراهقين (خليجيان وآسيوي وعربي)، يبلغون من العمر 15 عاماً اعتدوا على أحد أقرانهم بالضرب والسب، بعد أن استدرجوه تحت مقر سكنه وأحدثوا به إصابات متنوعة، وتم عرضهم جميعاً على الباحثة الاجتماعية بالنيابة العامة التي أوصت في تقريرها بتوقيع تدبير التوبيخ عليهم وتسليمهم إلى أولياء أمورهم.

ومن أصغر الحالات سناً في هذه القضايا، طفل (11 عاماً)، تشاجر مع شخص في حديقة عامة على أولوية اللعب، فسبّه بألفاظ بذيئة خادشة للشرف والاعتبار، وتم عرضه على الباحثة الاجتماعية التي أوصت بتوبيخه وتسليمه لأهله، وقضت المحكمة بذلك مع توقيع سند تعهد على ولي أمره بحسن رعايته.

إلى ذلك، قال المحكم والمستشار القانوني، محمد نجيب، إن المسؤولية الجنائية للحدث تنقسم عمرياً إلى مرحلتين، الأولى انعدام المسؤولية، وهي المرحلة التي يكون فيها الطفل غير مسؤول جنائياً عن أي فعل يصدر عنه لانعدام الإدراك والتمييز لديه، وتبدأ هذه المرحلة من الولادة حتى بلوغ سن السابعة.

وأضاف أن المرحلة الثانية المسؤولية الناقصة التي تنتهي ببلوغ الطفل 18 عاماً، ويكون فيها مسؤولاً عن أفعاله بما يتناسب مع سنه، إذ يكون الإدراك والتمييز لديه ناقصاً، نتيجة لتأثير المراهقة التي قد تدفعه إلى تصرفات متهورة، لافتاً إلى أن المشرع أخذ ذلك بعين الاعتبار من نواحٍ عدة.

وتنص المادتان السابعة والثامنة، من القانون الاتحادي رقم 9 لسنة 1976 بشأن الأحداث الجانحين والمشردين على أنه، إذا ارتكب الحدث الذي أتم السابعة ولم يبلغ السادسة عشرة من عمره جريمة معاقباً عليها في قانون الجزاء أو أي قانون آخر، حكم القاضي باتخاذ ما يراه من التدابير.

وأوضح أن هذه التدابير تشمل التوبيخ واللوم، وتسليمه لأبويه أو من له الولاية عليه لتربيته وتقويمه، أو إيداعه في مأوى علاجي أو مركز تأهيل، لافتاً إلى أن المشرع وضع هذه التدابير، تأكيداً لحرصه على إصلاح الحدث وليس مجرد معاقبته، كما راعى ذلك خلال مرحلتَي جمع الاستدلالات والتحقيق، وخصص شرطة ونيابة لهذه الفئة، ومنع حبسه احتياطياً.

وأشار إلى أن المشرع حرص كذلك على توفير ضمانات استثنائية لمحاكمة الأحداث، فنص القانون على سرية المحاكمة، إذ لا يجوز أن يحضرها إلا ولي أمره والشهود والمحامون ومندوب وزارة الشؤون الاجتماعية، كما يجب قبل الحكم عليه التحقق من حالته المادية والاجتماعية ودرجة إدراكه والبيئة التي نشأ فيها والأسباب التي دفعته إلى ارتكاب الجريمة، وهذا الدور تقوم به الباحثات الاجتماعيات بالنيابة العامة.

الرعاية الاجتماعية

 

أفاد المحكم والمستشار القانوني، محمد نجيب، بأنه لا يحكم على الحدث بعقوبتَي الإعدام أو السجن المؤبد أو العقوبات المالية، وفي الحالات التي يجوز الحكم فيها عليه بالعقوبة الجزائية تستبدل عقوبتا الإعدام أو السجن المؤبد المقررتان للجريمة التي ارتكبها، بعقوبة الحبس مدة لا تزيد على 10 سنوات، وإذا كانت الجريمة معاقباً عليها بالحبس، لا يجوز أن تزيد المدة على نصف الحد الأقصى المقرر له وتنفّذ العقوبة في أماكن خاصة تتوافر فيها وسائل الرعاية الاجتماعية والتعليم.

مؤشر قضايا الأحداث

أفاد رئيس نيابة الأسرة والأحداث، المستشار محمد رستم بوعبدالله، بأن مؤشر قضايا الأحداث لم يتغير كثيراً منذ عام 2009 رغم الزيادة الملموسة في عدد سكان الإمارة، لافتاً إلى تسجيل 162 قضية لأحداث خلال العام الجاري تورّط فيها 241 حدثاً، مقابل 138 قضية تورّط فيها 201 حدث العام الماضي.

واعتبر أن هذا مؤشر جيد ويعكس الجهد المبذول من الجهات المختصة برعاية هذه الفئة، من بينها النيابة العامة ممثلة في نيابة الأسرة والأحداث التي تستهدفهم ببرامج هادفة تركز على قضاياهم واحتياجاتهم وأبرز مشكلاتهم.

وأشار إلى أن غالبية قضايا الأحداث التي تتعامل معها النيابة تتمحور حول المشاجرات، بحكم المرحلة العمرية التي تشهد نوعاً من الاندفاع والرغبة المستمرة في إثبات الذات، وعدم القدرة على ضبط النفس نظراً لقلة النضج.

إلى ذلك، رصدت «الإمارات اليوم» قضايا عدة لأحداث انتهت بإدانتهم ومعاقبتهم بالتوبيخ والتسليم لولي الأمر، وأخذ سند عليهم بحسن رعايتهم.

• المحكمة تُلزم ولي الأمر بتعهّد على حسن رعاية ابنه بعد توبيخ الحدث.

طباعة