مطالبات بتعزيز الرقابة الأبوية.. وجهود إماراتية متواصلة لتعزيز حمايتهم

بمحتوى رقمي غير لائق.. مواقع وألعاب إلكترونية تهــدد أجيال المستقبل

صورة

أكد خبراء في مجال حماية الأطفال، والإعلام، والقانون، أهمية تعزيز جهود المؤسسات المعنية بحماية الطفل على المستويين المحلي والعربي، لمواجهة خطر المحتوى الرقمي غير اللائق الذي يتعرض له الأطفال عبر منصات الفيديو والأفلام والألعاب الإلكترونية، لافتين إلى أنه يشكل تهديداً حقيقياً لهوية أجيال المستقبل، بما يقدمه من أفكار متطرفة وعنيفة وسلوكيات سلبية.

ودعوا إلى التواصل مع مزودي المحتوى الرقمي، لحذف المحتويات والإعلانات غير اللائقة التي تبثها المنصات التي يتابعها أو يشاهدها الأطفال، وتوفير ممكنات تكنولوجية للرقابة الأبوية على استخدام الأطفال للإنترنت، وتعزيز برامج التوعية بالمحتوى غير المناسب والجرائم الإلكترونية التي قد يقع الأطفال ضحية لها.

وتشكل مقاطع المحتوى الرقمي غير اللائق مشكلة اجتماعية وتربوية على مستوى الدول العربية، بحسب ما أبلغت عنه أسر عدة «الإمارات اليوم»، إذ أكدوا أنها «تهدم الأخلاق والسلوكيات السوية»، و«تدعو للعنف والرذيلة»، مشيرين إلى أن «غياب الرقابة الأبوية عما يشاهده الأبناء، يجعلهم فريسة سهلة لهذا المحتوى».

وكانت دولة الإمارات سباقة بمبادرات حماية الموروث الثقافي وحماية للأطفال والشباب من الأفكار التي يتم ترويجها عبر المحتوى الرقمي، والتوعية بالجرائم الإلكترونية، إذ وضعت عام 2018 نظاماً للتصنيف العمري يلزم ممارسي الأنشطة الإعلامية المرخصة في الدولة بتصنيف محتوى المطبوعات والأنشطة الإعلامية من خلال تحديد الرموز التي تلائم مختلف الفئات العمرية بالمجتمع، بهدف توفير الحماية للأطفال والشباب من التعرض لمحتوى غير مناسب لأعمارهم، ويساعدهم على الاختيار الصحيح للمصنفات الفنية ذات المحتوى المناسب لهم.

ويهدف نظام التصنيف العمري إلى المحافظة على قيم مجتمع دولة الإمارات وموروثه الثقافي، وحماية أبنائه من المؤثرات السلبية التي قد تحتويها المصنفات الفنية، وتشمل الأفلام السينمائية وأفلام الفيديو، والألعاب الإلكترونية وألعاب الفيديو، إضافة إلى الكتب المصورة والروايات المطبوعة والمستخدمة على الشبكة الإلكترونية.

وفي مسعى لوضع لوائح جديدة لضبط محتوى موقع التواصل الاجتماعي «تيك توك» في الإمارات، عقد المدير التنفيذي لمكتب تنظيم الإعلام، التابع لوزارة الشباب والرياضة، الدكتور راشد النعيمي، أخيراً، اجتماعاً مع رئيسة الفريق الدولي بشركة «تيك توك» جولي دي بيليينكورت، لمناقشة تشجيع نشر المحتوى الإيجابي على المنصة، وتعزيز آليات تطبيق معايير المحتوى الإعلامي المعمول بها في الإمارات على جميع ما ينشر على منصات التواصل الاجتماعي.

وقالت «أم عبدالله»، من الإمارات، إنها تواجه مشكلة في فرض رقابتها على كل ما يشاهده أو يسمعه أبناؤها خلال ممارستهم الألعاب الإلكترونية أو التنقل في منصات التواصل الاجتماعي، إذ «اكتسبوا بعض الكلمات غير اللائقة والسلوكيات السلبية من خلالها».

وتتفق معها عبير أحمد، من مصر، إذ أكدت أن «هناك ألفاظاً نابية ومشاهد تعرٍّ وأفكار متطرفة تنتشر عبر مقاطع الفيديو والألعاب الإلكترونية عبر الانترنت»، مشيرة إلى أنها بدأت في تقليل عدد الساعات التي يقضيها أبناؤها على الإنترنت، وإشراكهم في أنشطة رياضية، مثل السباحة وكرة القدم.

وذكر آباء من لبنان وفلسطين وسورية، أن أبناءهم اكتسبوا عادات غريبة على مجتمعاتنا العربية، سواء في طريقة التفكير أو الملبس أو غيرهما، بتأثير من منصات التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية، مشيرين إلى أن المحتوى الرقمي المنتشر حالياً يهدد هويتهم وثقافتهم، وهو أكبر تحدٍّ يواجهونه في تربية أبنائهم.

من جانبه، قال أستاذ الإعلام في جامعة زايد، الدكتور السيد بخيت «انتشر خلال الفترة الأخيرة المحتوى غير اللائق عبر الإنترنت، سواء للأطفال أو الكبار، وقد بدأت بعض المنصات أخيراً، نشر إعلانات غير لائقة ومخالفة للتقاليد العربية، ورغم محاولات الحد من هذه المسألة، لكن تعرض الأطفال للمحتوى الرقمي يأخذ أشكالاً مختلفة على الإنترنت، من بينها الألعاب الإلكترونية التي تتضمن مشاهد وأفكاراً وقيماً لا تتفق معنا ولا مع أخلاقياتنا، وكذا مقاطع الفيديو المنتشرة التي تنشر أفكاراً وإيحاءات قد لا تليق مع عادتنا وتقاليدنا».

وأضاف بخيت أن «انتشار برامج الفيديو عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي، وتعود الأطفال والشباب في المنطقة العربية على متابعتها، يعرض هويتهم وثقافتهم لخطر كبير»، مقترحاً الاستعانة ببرامج وتطبيقات تساعد الآباء على مراقبة المحتوى الذي يشاهده أبناؤهم للحد من تعرضهم للمشاهد غير اللائقة، وتعزيز توعية الأسر والمعلمين والطلبة بثقافة التعامل مع المحتوى الرقمي غير اللائق وتجنبه، مؤكداً أنها «مسؤولية مجتمعية تقع على كاهل الأسرة والمدرسة والإعلام، وهناك دور للمبرمجين العرب في المساعدة على اكتشاف تطبيقات أو أدوات تكنولوجية تحدّ من هذه المحتويات غير اللائقة». من جانبه، أكد المستشار القانوني الدكتور يوسف الشريف، أن «مسؤولية إبلاغ الجهات المختصة عن المنصات والصفحات الإلكترونية التي تتيح محتويات غير قانونية، تقع على كل فرد من مستخدمي الإنترنت»، لافتاً إلى أن «قانون الشائعات شدد عقوبة نشر هذا المحتوى بغرامة لا تقل عن 300 ألف درهم، ولا تزيد على 10 ملايين درهم». وقال الشريف إن «البعض قد يتعرض أثناء تصفحه للمواقع والحسابات على الإنترنت لصور ومقاطع فيديو، ونصوص تكون ذات محتوى غير قانوني، وقد يتجاهلها، لكن يفضّل أن يبلغ الجهات المعنية عنها، لاتخاذ الإجراءات القانونية بحق ناشرها».

وأوضح الشريف أن «المحتوى غير القانوني يشمل العنف الحقيقي والنشاط الإجرامي في مقاطع فيديو وألعاب وأفلام»، لافتاً إلى أن «هناك ألعاباً تعتمد على نشر العنف، وتشكل خطراً على الأطفال، تم حجبها في الدولة في وقت سابق».

وتابع أنه «من ضمن المحتوى غير القانوني كل مشهد أو مقطع يعزز الكراهية تجاه الأفراد أو الجماعات على أساس العرق أو الدين أو غيرهما، وكذا الترويج للجريمة أو العنف».

وذكر الشريف أن المحتويات التي ذكرها للتعريف بالمحتوى غير القانوني تختلف من دولة إلى أخرى، لكنها تقريباً متفق على معظمها بشكل عام، مشيراً إلى أن المشرع الإماراتي حدد تعريفاً معيناً للمحتوى غير القانوني، أورده في قانون الشائعات ضمن التعريفات.

وبشأن المسؤولية والدور المنوط بالأفراد عند تعرضهم لمحتوى غير قانوني عبر الإنترنت، يرى الشريف أنه يجب أن يكون لهم دور إيجابي في مواجهة هذه المواقع، لأنها تشكل خطورة على المجتمع والأطفال، وذلك من خلال محاولة جمع المعلومات عن هذا الموقع، والاتصال بجهات إنفاذ القانون المختصة وإبلاغها، وهي بدورها تقوم باتخاذ إجراءاتها في حجب الموقع، ويمكن قبل حجبه، إذا ما كان يحوي بشكل عام كل هذه المضامين، أن توجه له تحذيراً وتنبيهاً لحذف هذه الصفحات، أو المقاطع غير القانونية، فإذا امتنع أصبح تحت المساءلة، والتجريم وفق قانون الشائعات والجرائم الإلكترونية التي شددت العقوبة، إذ نصت على أنه «يعاقب بغرامة لا تقل عن 300 ألف درهم، ولا تزيد على 10 ملايين درهم، كل من استخدم موقعاً أو حساباً إلكترونياً في تخزين أو أتاح ونشر محتوى غير قانوني، ولم يبادر بإزالته أو منع الدخول إلى هذا المحتوى خلال المدة المحددة في الأوامر الصادرة إليه والمنصوص عليها في القانون، وامتنع عن الامتثال كلياً أو جزئياً لأحد الأوامر التي صدرت إليه، والمنصوص عليها في هذا المرسوم بقانون دون عذر».

بدوره، أكد مدير مركز حماية الطفل في وزارة الداخلية، المقدم عبدالرحمن أحمد التميمي، أهمية توفير الحماية الرقمية للأطفال ضد كل أشكال الخطر التي تهددهم أو تعرضهم للخطر، لافتاً إلى أن «وزارة الداخلية تقوم من خلال أقسامها المتخصصة بالتعامل مع هذه الجرائم، لتوفير الحماية الرقمية للأطفال، ضمن جهودها المتواصلة لتوفير كل أشكال الدعم والحماية لحقوق الطفل في الدولة».

وأضاف أن «المركز ينفذ وسائل مختلفة للحدّ من حالات الاعتداء والإساءة بجميع أنواعها، الواقعة على الأطفال الموجودين في الدولة، بغض النظر عن الجنس والجنسية والعرق والدين واللون، حيث يوفر منظومة حماية متكاملة بمحاور متعددة». وتابع: «هناك وحدة تنظيمية تختص بنشر الوعي والإرشاد في مسألة حقوق الطفل وحمايته، ونشر معلومات التوعية الموجهة للأطفال وكيفية حماية أنفسهم، وأخرى موجهة إلى القائمين عليهم من أهلهم وأفراد المجتمع المعنيين بالتعليم ومقدمي الخدمات الصحية للأطفال وغيرهم»، مؤكداً أهمية التوعية في مجال حماية الطفل، والحد من حالات الإساءة والاعتداء المحتملة، وأهمية التوعية بالقوانين والتعليمات المعنية بحماية وحقوق الطفل، وتكامل الجهود الاتحادية والمحلية، لافتاً إلى أن نشر المعلومات التثقيفية للتوعية في هذا المجال إلى أكثر من 200 جنسية يشكل تحدياً كبيراً، في تنويع مصادر المعرفة التي يتعامل معها أفراد المجتمع عبر الوسائل التكنولوجية الحديثة بحيث تصل إلى أكثر عدد ممكن من شرائح المجتمع. من جانبه، قال رئيس مجلس إدارة جمعية الإمارات لحماية الطفل، فيصل الشمري، إن المحتوى الثقافي الرقمي العربي لايزال يعاني ضعفاً وخللاً كبيرين، فهناك قلة من المشاهير والمؤثرين العرب الذين ينشرون محتوى برسالة هادفة، وأقل القليل من يتجرأون على مواجهة المحتوى المسيء للقيم الأخلاقية والمبادئ المجتمعية المحافظة.

وأكد أهمية العمل على بناء وعي مجتمعي متكامل بالمحتوى الرقمي والإعلانات المصاحبة غير اللائقة.

وشدد على أهمية الاستثمار في المجالات الناشئة محلياً وإقليمياً، لنشر المحتوى الرقمي الإيجابي بما يتناسب مع عادتنا وثقافتنا، لافتاً إلى أن الإمارات وطن الإبداع ومنارة حضارية تستحق استدامة التطوير، وتضافر الجهود المؤسسية بين الجهات الحكومية الاتحادية والمحلية وشبه الحكومية والقطاع الخاص مطلب حيوي.

وأشار إلى أن هناك مسؤولية مجتمعية مشتركة لدرء مخاطر التقنيات الحديثة، والحد من تأثير الألعاب الإلكترونية الخطرة على الأطفال، في مقدمتها الأسرة، والمدرسة، ومؤسسات المجتمع المدني، وكذا شركات الاتصالات الوطنية التي يقع على عاتقها مسؤولية تطوير ممكنات رقابة الأهالي، وتوعية الجمهور بالتزامن مع بيع خدماتهم، وتسويقها أسوة بمبادرات شركات عالمية مماثلة. وأكد أهمية تشديد الرقابة على شراء ألعاب مصنفة لفئات عمرية أكبر من عمر الأبناء، أو ألعاب تحتوي على تسويق سلوكيات إجرامية أو لا أخلاقية، أو موجهة لأغراض متطرفة، أو حتى تتيح التواصل مع الأغراب من دون رقابة الأهالي، معتبراً أن «التخاذل في تطبيق ذلك يعد إهمالاً صرفاً».

وقال إن دولة الإمارات تعتبر من أوائل الدول التي أقرت قوانين تعنى بحقوق الأطفال، ووقّعت على العديد من الاتفاقيات الدولية في هذا المجال، ولها بصمات واضحة في تعزيز الجهود المحلية والدولية في حماية الأطفال من أي شكل من أشكال الإساءة أو الاستغلال. وأضاف أن «قانون وديمة سن مواد لحماية الطفل من التعرض للإساءة، ولكن في ظل انتشار التكنولوجيا يجب المتابعة من الجهات المسؤولة عن المحتوى لأن حماية الطفل مسؤولية مشتركة، مؤسسية ومجتمعية وشخصية، وكذلك تتحمل الشركات المستقبلة للمحتوى جزءاً من هذه المسؤولية، وعلى كل شخص يرصد أي إساءة تقع على الأطفال الاتصال بالجهات المسؤولة فوراً والتبليغ عن المحتوى، وعدم تداول المقاطع المسيئة أبداً».

الاستخدام المفرط للتكنولوجيا

حذر المركز الوطني للتأهيل من تأثيرات سلبية يسببها الاستخدام المفرط للتكنولوجيا على الأطفال والمراهقين، منها أنه يمكن للتكنولوجيا والانفتاح غير المحدود إحداث تأثير سلبي عميق عند تعرض الأطفال لمحتوى غير لائق لأعمارهم.

ومن التأثيرات السلبية للمحتوى الرقمي اكتساب العنف، لأن «قضاء الكثير من الوقت خلف الأجهزة الإلكترونية قد يؤدي إلى جعل الطفل أكثر عدوانية».

ونبه إلى أن الاستخدام المفرط للأجهزة الإلكترونية على اختلاف أنواعها قد يتسبب في تحفيز مشاعر الوحدة والعزلة.

كما أن ضعف البصر والسمنة هما من أبرز مخاطر قضاء الكثير من الوقت على الأجهزة الإلكترونية وعدم القيام بالتمارين الرياضية. وأدمجت منظمة الصحة العالمية إدمان الألعاب الإلكترونية ضمن تصنيفها الدولي للأمراض، حيث يُعد هذا التصنيف مرجعاً عالمياً موثوقاً للأعراض الصحية، فيما يعتزم المركز الوطني للتأهيل افتتاح عيادة خارجية لعلاج إدمان الألعاب الإلكترونية تستهدف علاج المدمنين على استخدام الإنترنت والألعاب الإلكترونية، باستخدام مقياس إدمان الإنترنت لليافعين.

الوالدان محفز لإدمان التكنولوجيا

حذر مركز «صواب» الأهالي من الانشغال بهواتفهم ومواقع التواصل الاجتماعي، والتسبب في إدمان أطفالهم إلكترونياً، منبهاً إلى أن الوالدين هما المحفز الأساسي لإدمان أطفالهما على الوسائل التكنولوجية الحديثة مثل «الآيباد» والأجهزة والألعاب الإلكترونية، كونهما منشغلين طوال الوقت بهذه الأجهزة وبوسائل التواصل الاجتماعي.

وطالب المركز الوالدين بمتابعة أنشطة أطفالهما على الإنترنت، متسائلاً عن مدى معرفتهما بنشاط المتطرفين واستغلالهم مواقع التواصل والألعاب الإلكترونية للتأثير في عقول النشء، مؤكداً أهمية التحدث مع الأطفال لكسب ثقتهم والمساهمة في وقايتهم من منابع التطرف. وتابع أن «الصحة العقلية لا تقل أهمية عن صحتنا الجسدية، إذ تعد مشكلة عالمية، خصوصاً بالنسبة للشباب؛ لأن نصف الأمراض العقلية يبدأ في سن 14 عاماً».

طباعة