استفاد من تجربة كوريا الجنوبية في توسيع الفحص المخبري

7 عوامل لنجاح «النموذج الإماراتي» في مواجهة «كورونا»

صورة

أكدت دراسة بحثية صدرت أخيراً عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، أن الإمارات اختطت نموذجاً خاصاً بها في إدارة أزمة منذ ظهور فيروس كورونا في الصين، ثم انتشاره إلى مختلف أنحاء العالم، ولم تسعَ إلى محاكاة النموذج الصيني، ولا غيره من النماذج، على الرغم من محاولتها الاستفادة من التجارب الناجعة، وتحديداً تجربة كوريا الجنوبية في توسيع الفحص المخبري، مشيرة إلى سبعة عوامل رئيسة لنجاح النموذج الإماراتي في مواجهة الفيروس، أبرزها التزام الشفافية التامة، والتحرك الاستباقي، والحرص على إشراك المجتمع في جهود احتواء المرض.

وأكدت الدراسة أن المتابعة اليومية من قيادات الدولة للإجراءات المتخذة بشأن مواجهة جائحة كورونا (كوفيد ـ 19)، وظهورها المتكرر على وسائل الإعلام المختلفة، وتأكيداتها على تحمل الدولة مسؤوليتها عن حماية حياة الإنسان، كان لها أبلغ الأثر في شعور الموجودين على أرض الدولة، من مواطنين ومقيمين وزائرين، بالأمان والراحة.

وتفصيلاً، أفادت الدراسة بأن دولة الإمارات اختطت نموذجاً خاصاً بها في إدارة أزمة كورونا المستجد (كوفيد-19)، منذ أول ظهور للفيروس في ديسمبر 2019، ثم انتشاره إلى مختلف أنحاء العالم، إذ لم تسعَ إلى محاكاة النموذج الصيني، ولا غيره من النماذج، إنما اتبعت مسارها الخاص في إدارة الأزمة، إدراكاً منها لاختلاف نظامها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي عن الدول الأخرى. كما أنها تعلم أن كل دولة تحظى بميزات نسبية توظفها في تحديد قدرات إدارة الأزمة وكيفياتها.

وأوضحت الدراسة - التي حملت عنوان «نموذج دولة الإمارات في مواجهة أزمة جائحة كورونا» - أن النموذج الإماراتي ارتكز على سبعة إجراءات عاجلة حكمت استراتيجية مواجهة وباء كورونا، أولها مواكبة تعليمات وتوجيهات منظمة الصحة العالمية، والتزام تطبيقها بشكل كامل وسريع من اليوم الأول لاكتشاف فيروس كورونا المستجد في الصين إلى أن أعلنت عنه منظمة الصحة العالمية كجائحة، ثم التزام معايير الشفافية في التعامل مع الأزمة، والإفصاح التام عن البيانات الخاصة بوضع الوباء داخل الدولة، أولاً بأول، وكذلك إشراك المجتمع في جهود احتواء المرض، سواء من خلال توعيته بدوره في هذه الأزمة ومسؤوليته في اتباع إجراءات الوقاية، خصوصاً «التباعد الاجتماعي»، أو من خلال تعزيز مبادرات المجتمع، أفراداً وشركات، كتأسيس «صندوق الإمارات وطن الإنسانية»، الذي يتلقى إسهامات الأفراد والمؤسسات المادية والعينية والدعم اللوجستي، وإطلاق هيئة المساهمات المجتمعية في أبوظبي برنامج «معاً نحن بخير».

ووفقاً للدراسة، تضمن الإجراء الرابع محاولة الاستفادة من تجارب الدول الأخرى التي أثبتت نجاعتها، وبالذات تجربة كوريا الجنوبية في توسيع الفحص المخبري للكشف عن الفيروس. كما عملت الدولة على التقييم المستمر والدينامي لواقع الأزمة، واتخاذ الإجراءات المناسبة للحالة، دون هلع أو فقدان التوازن، ولم تقتصر جهودها على مواجهة التداعيات الصحية للوباء، بل وضعت الخطط وحددت الإجراءات والقرارات لمواجهة التداعيات الأخرى الناتجة عنه، كالتداعيات الاقتصادية والتعليمية والاجتماعية، فيما تمثل الإجراء الأخير في التحرك الاستباقي في إدارة الأزمة من خلال تجهيز الخطط والقدرات للتعامل مع الخطوات المقبلة، والاستعداد للسيناريوهات المحتملة.

ولفتت الدراسة إلى أن النموذج الإماراتي عمد في احتواء وباء كورونا إلى توظيف المزايا النسبية التي تتمتع بها الإمارات، ومن أهمها دينامية الإدارة الحكومية وفاعليتها، ما مكّنها من إدارة الأزمة بكفاءة واتخاذ القرارات اللازمة بشكل عاجل، مؤكدة أن المتابعة اليومية من قيادات الدولة العليا للإجراءات المتخذة، والظهور المتكرر لها على وسائل الإعلام المختلفة، وتأكيداتها على تحمل الدولة مسؤوليتها عن حماية حياة الإنسان، كان لها أبلغ الأثر في شعور الموجودين على أرض الدولة، من مواطنين ومقيمين وزائرين، بالأمان والراحة.

ولفتت الدراسة إلى أن الدولة سخّرت القدرات المالية الكبيرة، التي مكّنتها من اتخاذ القرارات المثلى في إدارة الأزمة، واتخاذ الإجراءات الاحترازية والوقائية دون اعتبار للكلفة المالية.

كما أحسنت استغلال جودة النظام الصحي في الدولة، الذي استجاب للأزمة دون اضطراب، ودون مواجهة النقص، سواء في التجهيزات والمعدات الطبية، أو في الكوادر البشرية.

وأكدت أن النظام الاتحادي للدولة سهّل وضع «الهيئة الوطنية لإدارة الطوارئ والأزمات والكوارث» استراتيجية إدارة الأزمة مركزياً، وتنفيذ كل إمارة لهذه الاستراتيجية والتوجيهات الصادرة من الهيئة وبقية الجهاد الاتحادية، مع ترك هامش لكل إمارة لتتخذ الإجراءات الإضافية التي تراها مناسبة.

وفي ما يتعلق بعناصر الاستراتيجية الإماراتية لمواجهة الوباء، قالت الدراسة إن استراتيجية الدولة قامت على خمسة عناصر رئيسة، الأول اتخاذ التدابير الصارمة والإجراءات الوقائية لاحتواء المرض وعدم تفشيه، من خلال تطوير إجراءات رصد الحالات عند نقاط الدخول إلى أراضي الدولة، وتعزيز اكتشاف الحالات استباقياً عبر توسيع الفحوص المخبرية، وتوفير أماكن الحجر الصحي المتخصصة والملائمة وبروتوكولات العلاج المناسب للحالات، وكذلك التتبع النشط للمخالطين، فضلاً عن اتخاذ الإجراءات المعيارية للحد من انتقال المرض كتعطيل المؤسسات التعليمية، وتعليق حركة الطيران من الدولة وإليها، ووقف كل الفعاليات العامة، ومنع التجمعات، وإغلاق الأماكن العامة مثل مراكز التسوق والمتنزهات، عدا الضروري منها.

وتمحور العنصر الثاني لاستراتيجية مواجهة الفيروس في الدولة، في محاولة عدم تعطيل حياة الناس الطبيعية، فعلى الرغم من تطبيق إجراءات «التباعد الاجتماعي»، وإطلاق حملة «خلك بالبيت»، التي تحث الناس على البقاء في منازلهم وعدم الخروج إلا للضرورة، إلا أن الدولة أخذت في الحسبان الصحة النفسية للأفراد، لذا اتبعت الأسلوب التدريجي في إجراءات الحد من حركة الناس. كما أنها لم تطبق إجراءات الحظر الكامل والشامل.

واختص العنصر الثالث بـ«التقليل من الآثار الاقتصادية للأزمة على قطاع الأعمال»، فعدا عن المحفزات التي أعلنها مصرف الإمارات المركزي بقيمة إجمالية تبلغ 100 مليار درهم لمساعدة البنوك العاملة بالإمارات على التعامل مع التأثيرات الاقتصادية السلبية الناجمة عن أزمة كورونا، اتخذت الحكومة الاتحادية والحكومات المحلية إجراءات عدة لتعزيز الاستقرار الاقتصادي، حيث أطلقت حكومة أبوظبي مثلاً 16 مبادرة لتخفيف الأعباء عن الشركات، وتحفيز قدرتها على مواجهة ظروف السوق الصعبة. وأعلنت أيضاً عن تشكيل لجنة لمراجعة وضع القروض للشركات، كما أطلقت حكومة دبي حزمة حوافز اقتصادية بقيمة 1.5 مليار درهم، بهدف دعم الشركات وقطاع الأعمال، فضلاً عن إطلاق مبادرات عدة لتخفيف العبء المالي عن الأعمال.

والعنصر الرابع في الاستراتيجية الإماراتية لمواجهة «كورونا»، تحويل التحدي إلى فرصة من خلال تطوير قدرات الدولة الصحية، فعدا عن اتجاه الدولة إلى تطوير قدراتها الصحية خلال الأزمة، ومن ذلك مثلاً إنشاء «مراكز إجراء الفحص من المركبة» للكشف عن فيروس كورونا خلال 15 دقيقة فقط، فإن الدولة أنشأت في أبوظبي أكبر مختبر حديث خارج الصين، يضم قدرات معالجة فائقة لإجراء عشرات آلاف الاختبارات بتقنية تفاعل «البوليمرز» المتسلسل اللحظي. ولا يتميز هذا المختبر بالقدرة الفائقة والكبيرة على تشخيص فيروس «كوفيد-19» فقط، بل لديه القدرة على الكشف عن مسببات الأمراض الجديدة مستقبلاً من خلال الاختبارات التسلسلية المتقدمة.

أما خامس العناصر التي ارتكزت عليها استراتيجية الدولة لمواجهة «كورونا»، فتمثل في «استمرار الدور الإنساني للإمارات»، فلم تتوقف دولة الإمارات خلال الأزمة عن المبدأ الإنساني المتأصل في سياستها الخارجية، إذ قامت بمبادرات إنسانية عدة لتعزيز الجهود العالمية لمجابهة وباء كورونا، فقدمت إمدادات طبية إلى الصين وإيران وأفغانستان، وهو ما كان محلّ إشادة من منظمة الصحة العالمية. كما أنها الدولة العربية الوحيدة التي أعلنت، على لسان صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، الوقوف إلى جانب سورية في هذه الأزمة، وعدم ترك الشعب السوري وحيداً، فضلاً عن أنها أجْلت 215 فرداً من رعايا دول عربية وأجنبية كانوا عالقين في مدينة ووهان الصينية، ووفرت لهم الإقامة والرعاية في المدينة الإنسانية في أبوظبي إلى حين مغادرتهم إلى بلدانهم، بعد أن تثبتت من خلوهم من المرض.


«الإمارات اتبعت مساراً خاصاً في إدارة الأزمة إدراكاً منها لاختلاف نظامها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي عن الدول الأخرى».

«النموذج الإماراتي ارتكز على إجراءات عاجلة حكمت استراتيجية مواجهة وباء كورونا».

16

مبادرة أطلقتها حكومة أبوظبي لتخفيف الأعباء عن الشركات وتحفيز قدرتها على مواجهة ظروف السوق الصعبة.

استعدادات مسبقة

أكدت الدراسة أن استعدادات الدولة المسبقة لحالات الطوارئ والأزمات، التي كان منها تعزيز المخزون الاستراتيجي للدولة في مجالي الغذاء والدواء، ظهرت جلية من خلال عدم حصول أي نقص في السلع المختلفة في الأسواق منذ بداية الأزمة، إضافة إلى أن تطوّر البنية التحتية في الدولة وشبكة الاتصالات والإنترنت، أتاح للمدارس والجامعات التحول نحو التعليم من بُعد.

كما يسّر تقدم الحكومة الرقمية لجوء الناس بشكل شبه كامل إلى الخدمات الرقمية، دون الحاجة للذهاب إلى مقار الوزارات والهيئات الحكومية.

وأشادت الدراسة بقدرة الدولة على توظيف الحلول الذكية والمبتكرة في مواجهة الوباء وإدارة الأزمة، مثل استخدام الطائرات من دون طيار في تعقيم المدن، وتطوير خدمة الصيدلية المتنقلة (دوائي) التي توصل الأدوية إلى المنازل، لتجنيب أصحاب الأمراض المزمنة وكبار السن الذهاب إلى المشافي، وتخفيف الضغط عن المرافق الطبية.

طباعة