آراء

«اليمين الحاسمة»

قضية اليوم تتمحور حول زوجة ساندت زوجها مادياً ومعنوياً، وأعطته مبلغاً من المال كانت تدخره، لكي يتمكن من إكمال تشييد مسكن الزوجية، ولكن الرياح لا تأتي دوماً بما تشتهي السفن، فقد عصفت الخلافات بينهما، واستمر الشقاق، وتفاقمت المشكلات، واستعصت على الحل، فكان أن وقع «أبغض الحلال»، وهو الطلاق.

وحين طالبت المرأة بمالها المترصد في ذمة طليقها، رفض رد المبلغ، وادعى أنه كان على سبيل الهبة بطوعها واختيارها، ولأن من المتعذر امتلاك الزوجة سنداً يثبت استدانة زوجها منها، فقد لجأت إلى توجيه «اليمين الحاسمة» له، فأداها، مقراً باستلامه المبلغ المذكور منها، فقضت المحكمة بإلزامه برد المبلغ.

القضية تثير مسائل قانونية جديرة بالشرح والتبيان، أولى تلك المسائل هي أن قانون الأحوال الشخصية شدد على أن للزوجة ذمة مالية مستقلة ومنفصلة عن زوجها، وأن كل مال تسهم به في تنمية مال زوجها، تجارة كان أو استثماراً أو بغرض تشييد منزل أو نحو ذلك، فلها أن ترجع وتقاضيه للمطالبة بمالها لديه، سواء بعد وقوع الطلاق أو الوفاة.

وقد ورد ذلك النص في ثنايا المادة (62)، التي جاء فيها: «المرأة الراشدة حرة في التصرف في أموالها، ولا يجوز للزوج التصرف في أموالها دون رضاها، فلكل منهما ذمة مالية مستقلة، فإذا شارك أحدهما الآخر في تنمية مال أو بناء مسكن أو نحوه، كان له الرجوع على الآخر بنصيبه فيه عند الطلاق أو الوفاة».

الأمر الثاني الذي تثيره القضية هو مسألة وجود مانع أدبي من وجود دليل مستندي يثبت الدين، فمن المعلوم أن قيام الزوجية يشعر المرأة بالحرج من اشتراط كتابة مبلغ الدين، فإن كانت المطلقة لا تمتلك مستنداً كتابياً يثبت تسليمها لمبلغ الدين، ككشف حساب بنكي مثلاً، يبين تحويلها المبلغ المذكور وإيداعه بحساب زوجها السابق، كما في حالة إعطائها المبلغ نقداً له، وهو ما يحدث في كثير من الأحيان، فإنه في هذه الحالة يحق لها توجيه «اليمين الحاسمة» لطليقها.

وحسب المادة (57) من قانون الإثبات، التي شُرعت لتكون ملاذاً للخصم الذي تعوزه وسائل الإثبات الأخرى، وهي تنصب على الواقعة محل الحلف إما بالقبول أو بالرفض، بحيث يكون ثبوتها أو نفيها حاسماً في النزاع، واشترط القانون لقبول توجيهها أن تكون الواقعة المنصبة عليها اليمين تتعلق بشخص من وجهت إليه، فإن كانت الواقعة غير شخصية، فإن اليمين تنصب على مدى علمه بالواقعة، وهذه اليمين، وإن كانت حقاً جائزاً لأي خصم استخدامه، إلا أنه يشترط عدم تعسف الخصم في توجيهها، وترك القانون للمحكمة تقدير مدى وجود تعسف من واقع كل قضية على حدة.

توخينا في مقال اليوم توضيح الموقف القانوني لحالة شائعة جداً بين الزوجين، وتتعلق بالأمور المالية المشتركة بينهما، ونتمنى أن يسود الحب والألفة والمودة بين كل الأزواج، وأن يظلل بيوتنا الرفق في التعامل، وأن تنعم أسرنا بالاستقرار والسكينة، وألا ينسى الزوجان المعروف بينهما مهما حدث.

محام

طباعة