آراء

    مستقبل القطاع القضائي

    مرت مسيرة القضاء في دبي بمراحل عدة من التطوير، توجت بإقامة منظومة قضائية متكاملة تهدف إلى تحقيق العدالة والمساواة عبر حماية حقوق الناس، وتطبيق القانون على الجميع دون تهاون أو تمييز، مع الحرص على دقة وسرعة الفصل في الدعاوى وتنفيذ الأحكام والقرارات والأوامر القضائية، بالاعتماد على كوادر وطنية مؤهلة ونظم وإجراءات وتقنيات حديثة ومتطورة. وعبر هذه المسيرة الطويلة، تم إصدار حزمة من الأنظمة والإجراءات، والقيام بمبادرات جعلت من القضاء في دبي أكثر تخصصاً، ما أحدث نقلة نوعية في القطاع القضائي، واكبت التغيرات التي مرت بها الإمارة من انفتاح وتنمية متسارعة. واليوم، يواصل القطاع القضائي، ممثلاً بمحاكم دبي، سعيه نحو تعزيز الابتكار واستشراف المستقبل، من خلال تبني استراتيجيات ومنهجيات تتماشى مع أفضل الممارسات العالمية في مجال القضاء، لترجمة رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، بوضع منظومة عمل قضائي ترتقي بدبي عالمياً في إقامة العدالة النافذة التي تتسم بالدقة وإعلاء قيم العدل والاستقلالية والشفافية وتقديم خدمات قضائية رائدة وإسعاد المتعاملين. وبالنظر إلى المستقبل، تسعى دولة الإمارات بشكل عام ودبي على وجه الخصوص إلى انتهاج التطوير المستدام، وتبني وسائل جديدة لتعزيز النظام القضائي من خلال مواكبة كل مستجدات العصر في المجال القضائي، والاستفادة من التقنيات الحديثة في هذا الإطار، وابتكار نظم وتطبيقات ذكية تسهل عملية التقاضي على جميع الأطراف، وتسرع وتيرة الأحكام. كما رصدت حكومة دولة الإمارات التوجهات المستقبلية في النظام القضائي والتي تستند إلى أسس التنبؤ وتوقع الجرائم، من خلال دراسة وتحليل السلوك البشري، باستخدام التكنولوجيا الحديثة، فضلاً عن تحليل المتغيرات الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والسلوك العام لأفراد المجتمع، فضلاً عن وضع تصور خاص قائم على أسس تعزيز ثقافة الصلح في المجتمع، وتطوير الأنظمة البديلة للتقاضي، إلى جانب تعزيز التخصص القضائي على مستوى المحاكم مع التركيز على العنصر البشري المتخصص، للوصول إلى نتائج إيجابية، بما في ذلك إيجاد مجتمع خالٍ من الجريمة وتسريع وتيرة العملية القضائية. كما ستواصل دبي تطوير منظومتها وتشريعاتها القضائية، ومواكبة التطور التقني والتكنولوجي، واستحداث التشريعات المواكبة له في سبيل تعزيز كفاءة نظامها القضائي، واعتماد الوسائل التي تجسد العدالة الناجزة بإجراءات ميسرة، تماشياً مع الاتجاهات الحديثة في نظم التقاضي وتحقيق العدالة. وتستحوذ التقنيات الناشئة، مثل الذكاء الاصطناعي، على حيز كبير في التطلعات المستقبلية للجهات القضائية بدبي، حيث عكفت الدوائر القضائية والمحاكم في الإمارة على إدخال الذكاء الاصطناعي في نظامي عمل الدعوى المدني والجزائي، للاستفادة منه في حالات التنبؤ بمدة الفصل في القضايا، وكذلك حالات وجود سوابق قضائية أو تكرار للفعل الجنائي. ولأن تطور الدول يقاس بمدى سيادة القانون واستقلال قضائها، تحرص دولة الإمارات باستمرار على تطوير منظومتها القضائية لتواكب أفضل الممارسات العالمية وتعزيز الأداء القضائي وتسهيل تحقيق العدالة لأفراد المجتمع. ومن هنا، فإن توظيفها للذكاء الاصطناعي يهدف إلى زيادة كفاءة العمل القضائي في المحاكم والنيابات بمختلف تخصصاتها، وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للمتعاملين، وذلك كخطوة أولى للاستفادة من الميزات الكبيرة لهذه التقنية في مجال القضاء مستقبلاً، في ظل التطور المستمر الذي يطرأ على هذه التكنولوجيا، وانطلاقاً من الدور المستقبلي للذكاء الاصطناعي في تسهيل سير العدالة وتحقيق الشفافية واختصار الوقت في مسار سير القضايا.

    مدير عام محاكم دبي

     

    طباعة