إمـاراتيون يبنون أعلى بـرج في العالم

المواطن عبدالرحيم نبيل (يمين) أثناء تركيب أعلى سارية في العالم. الإمارات اليوم

بين آلاف من العمال الذين أسهموا في رفع برج خليفة، كان هناك مواطنون يصلون الليل بالنهار في العمل، حتى علت أطول ناطحة سحاب في العالم.

مواطنون في زي العمل

قال مدير المشاريع في شركة «إعمار» مطورة برج خليفة، عبدالله بن لاحج، في اول حديث صحافي له، ان «كثيرين يعتقدون ان البرج صنعته أيادٍ غربية وآسيوية، بينما ظل المواطنون الإماراتيون في مكاتبهم يحتسون القهوة، وينتظرون انتهاء المشروع، وهذا امر غير حقيقي على الإطلاق». وأضاف لـ«الإمارات اليوم» في موقع البرج «عشرات المواطنين عملوا بجهد وعرق تحت ضغوط صعبة، وقاسية». تراهم «بزيهم الوطني، وزي العمل شاركوا في وضع الأساسات تحت الأرض، وسافروا آلاف الأميال، وجابوا قارات العالم، ليضعوا تصميمات البرج، ويستوردوا مواد البناء».

هؤلاء المواطنون «نزلوا الى ميدان العمل، وتعرضوا لمخاطر عدة، وعملوا مثلهم مثل أي عامل في موقع المشروع». ويؤكد بن لاحج أن «برج خليفة بُني بسواعد إماراتية، بداية من وضع التصميمات، ومتابعة قيادات شركة (إعمار) المواطنين، ونقل مواد البناء، والصعود بها إلى أعلى الطوابق، حتى أصبح برج خليفة، حقيقة على أرض الواقع».

المواطنة منى القاسمي بين العاملين في الطابق 154

مهندسة مواطنة، تعمل على ارتفاع 150 طابقاً، وتعود لمنزلها بعد منتصف الليل، ومواطن ظل اسابيع عدة معلقاً في الهواء على ارتفاع 160 طابقاً، وآخر كان يصعد إلى أكثر من 120 طابقاً على الدرج، في حين عمل مهندس إماراتي لأشهر تحت الأرض ليضع أساسات المشروع.

هؤلاء وغيرهم عشرات من المواطنين، التقتهم «الإمارات اليوم» في موقع البرج، لم يقفوا ساكنين وهم يشاهدون المشروع يعلو بسواعد الغرب والآسيويين، بل شاركوا بالجهد والعرق في تشييده، وأمضوا سنوات بين الأساسات وأعمال الخرسانة والرافعات.

مواطنة بين مئات العمال

المهندسة المواطنة منى القاسمي، كانت تقضي اكثرمن 12 ساعة يومياً، في الطابق ،154 مع مئات العمال الآسيويين، والغربيين، لتنفذ أعمال الديكورات في البرج.

يبدأ يومها في المبنى، في الساعة الثامنة صباحاً، ويمتد في ايام كثيرة الى ما بعد منتصف الليل، ثم تتوجه الى منزلها لتستريح ساعات قليلة، وسرعان ماتعود الى اعلى الطوابق في البرج.

وتقول «الإرهاق الشديد الذي تعرضتْ له في هذا العمل الميداني، كان يزول كلما تذكرت انني أشارك في بناء صرح تاريخي لوطني».

ومنى مهندسة معمارية تخرجت في جامعة الإمارات في العين، ومنذ ذلك الوقت تعمل في تنفيذ مشروعات عدة في دبي، و«فخرها الكبير، انها أسهمت في انشاء برج خليفة».

وكانت المهندسة المواطنة تتحدث لـ«الإمارات اليوم» من ارتفاع 150 طابقاً، وتقول «كانت مهمتي وضع ديكورات ومتابعة التشطيبات في اعلى طوابق المبنى، وأحياناً يتطلب عملي الوصول الى الطابق الـ،160 وهو اعلى طابق سيسكنه بشر في العالم»، مضيفة «تطلب عملي ان اصعد في مصاعد الخدمة، واقف الى جوار عشرات العمال لساعات متأخرة، وأحياناً كنت اصل منزلي في الساعة الثانية بعد منتصف الليل».

وأصعب ما كان يواجهها انها «كانت مسؤولة عن نقل تحف فنية للطوابق العليا، وخطورة هذه المهمة هي الحفاظ على سلامة تلك التحف، اثناء نقلها من مصعد إلى آخر، والصعود بها بين الطوابق».

أعلى نقطة

وفي أعلى نقطة من البرج، وتحديداً فوق الطابق الـ،160 على ارتفاع يزيد على 800 متر، كان المهندس المواطن عبدالرحيم نبيل، مسؤولاً عن «رفع وتركيب سارية البرج، وهي أعلى سارية في العالم».

كان نبيل يقضي ساعات عدة كل يوم وهو يرى «دبي والشارقة وعجمان من هذا الارتفاع الشاهق، يربط نفسه بالحبال، ويسير على (سقالات) وقضبان لا يزيد عرضها على سنتيمترات محدودة، لينفذ المهام المسندة اليه».

وبالفعل نجح مع فريق «العمل في تصنيع السارية، التي تعد نموذجاً غير مسبوق في عالم الإنشاءات».

يقول نبيل «طبيعة عملي تطلبت البقاء أسابيع عدة، معلقاً بين السماء والأرض، لا يحميني سوى الحبل المخصص للأعمال في الطوابق المرتفعة، وكانت درجات الحرارة في ايام الشتاء تنخفض لدرجة ثمانية مئوية، مخلفة صقيعاً شديداً».

ويضيف «كنا نعمل لساعات الفجر الأولى، ونعود لبيوتنا لنستريح ساعات قليلة، ثم نعود لموقع العمل لنؤدي واجبنا بين العمال». وعلى الرغم من الخطورة التي ينطوي عليها هذا العمل، إلا أنني «كنت اؤديه بحب، لأنه في النهاية، انجاز يحمل اسم الإمارات».

الصعود على الدرج

وإلى جانب عبدالرحيم، كان المهندس المواطن أحمد عيسى البلوشي، الذي تطلبت طبيعة عمله الصعود على الدرج من الطابق الأرضي الى الطابق الـ.124

البلوشي (27 عاماً) يحمل شهادة البكالوريوس في الميكانيكا الإلكترونية، من كلية دبي للتقنية، وتولى مسؤولية تركيب الأنظمة الإلكترونية وانظمة الأمان والمعلومات والكهرباء في طوابق المبنى الـ.160 وبحكم عمله، كان يضطر إلى الصعود طابقاً تلو الآخر، حتى يصل من الأرض الى اعلى قمة على قدميه، ليفحص كل اجهزة المبنى.

ويقول «طبيعة عملي كانت تتطلب كثيراً التعلق في الهواء مربوطاً بالحبال، والسير على سقالات فوق ارتفاعات شاهقة، والصعود في المصاعد الخارجية المؤقتة».

واحياناً «كنا نتعرض للأمطار، ودرجات حرارة منخفضة جداً في الشتاء، وشديدة الحرارة في الصيف، وكنا نعمل ايام الأعياد، ووقت الإفطار في شهر رمضان»، لكن ذلك «لم يكن يشغل لنا بالاً، لأننا كنا نبني معلَمَاً تاريخياً لدولتنا».

تحت الأرض

وفي بداية المشروع، امضى المهندس الإماراتي عبدالله بن لاحج «نحو ستة أشهر في حُفَر عميقة تحت الأرض، ليشارك مئات العمال في وضع اساسات المشروع».

وأوضح «عشت المشروع منذ ان كان مجرد فكرة وتصميمات مبدئية، وسافرت لشيكاغو، في الولايات المتحدة، لأشارك المكتب الاستشاري في وضع التصميمات»، ومع بداية تنفيذ المشروع «قضيت أشهراً عدة على عمق عشرات الأمتار تحت الأرض، لنضع أساسات المبنى، في ليالٍ باردة واخرى شديدة الحرارة».

والمهندس بن لاحج (39 عاماً) هو أب لثلاثة أبناء «وبسبب عمله المتواصل في البرج، كان يحرم من لقاء اطفاله أياماً عدة، ويتركهم أيام الإجازات الأسبوعية التي كان يقضيها في موقع المشروع».

ويرفض المهندس الإماراتي، وصف ذلك «بالتضحية»، بل هو في رأيه «انجاز وطني يستحق ان نعمل على تنفيذه، من دون أن نفكر في انفسنا».


المهندس المواطن أحمد البلوشي فوق 800 متر.

طباعة