70 ٪ مـن العمالة الخليجية وافــدة

المشاركون ركزوا على خطورة أوضاع سوق العمل الخليجي وانعكاساته على التركيبة السكانية والهوية الثقافية. تصوير: محمد حكيم

قال القائم بأعمال مدير عام وزارة العمل حميد راشد بن ديماس، في الجلسة الافتتاحية لمؤتمر تنمية الموارد البشرية في الخليج العربي: إن الأزمة الاقتصادية العالمية الحالية تعد «فرصة تاريخية» لدول مجلس التعاون الخليجي من مجتمعات، وصناع قرار، ومسؤولين، لإعادة تصحيح السياسات الاقتصادية، والاختلال الذي يعاني منه سوق العمل لمصلحة العمالة الوافدة.

وكان العديد من المشاركين في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر، الذي ينظمه مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، ركزوا في كلماتهم على خطورة أوضاع سوق العمل الخليجي، وما لذلك من انعكاسات على التركيبة السكانية والهوية الثقافية والاجتماعية، إلى جانب التحديات الأمنية.

وكشف نائب وزير العمل السعودي الدكتور عبدالواحد خالد الحميد، أن عدد السكان الإجمالي في دول المجلس بلغ، بحسب آخر الإحصائيات، نحو 36 مليون نسمة، بمعدل زيادة نحو 2.3٪. وهي نسبة منخفضة مقابل نسبة الزيادة في مراحل سابقة. ووصلت نسبة الوافدين من إجمالي السكان أكثر من 35٪، بعد أن كانت خلال السنوات الماضية نحو 17٪ فقط، وتصل في بعض الدول الخليجية إلى أكثر من 35٪.

وأضاف الحميد: أن قوة العمل الإجمالية في دول المجلس تقدر حاليا بـ 14.5 مليون عامل، بينهم أكثر من 10 ملايين عمالة وافدة، اي أكثر من 70٪ من إجمالي العمالة، موضحا أن عدد العمالة الكلي في السعودية يبلغ 10.5 ملايين عامل، أكثر من 60٪ منهم من الوافدين، وتتركز العمالة الوطنية في القطاع الحكومي وشبه الحكومي بشكل خاص بينما تتركز العمالة الوافدة في القطاع الخاص.

وحذر من أن مشكلة البطالة تلقي بظلالها الكثيفة على المنطقة، حيث يبلغ عددها في المملكة نحو 400 ألف مواطن سعودي، بينهم 164 ألفاً من النساء، لافتا الى وجود حاجة إلى «قرارات قوية» لتنظيم عملية توطين الوظائف في دول المجلس.

وفيما كشف الحميد عن عدم وجود بيانات دقيقة ومفصلة عن حجم البطالة في دول مجلس التعاون الخليجي، عزا وكيل وزارة العمل سابقا الدكتور خالد الخزرجي، ذلك إلى عدم وجود آلية محددة لتقدير حجم البطالة. مطالبا الجهات المعنية بإعداد الدراسات والأبحاث التي تعتني بهذا الموضوع كخطوة أولى نحو الحل.

وأكّد نائب وزير العمل السعودي، أن دول الخليج تعتمد على اقتصاد المورد الواحد، وهو النفط، وهو مورد يعاني التقلبات بشكل دائم نظرا لخضوعه لقانون العرض والطلب. وتاليا، فإن ذلك يقف عائقا أمام إيجاد الفرص الوظيفية الحقيقية للمواطنين، وانتقد محاكاة دول الخليج نماذج دولية تعتمد اقتصاداتها على القطاعات الإنتاجية كثيفة العمالة. معتبرا أنها تسببت في فشل دول الخليج في مجاراتها والتفوق عليها، لأن لدى هذه الدول وفرة في الأيدي العاملة الوطنية الرخيصة، مضيفاً أن كثيرا من الأنشطة الاقتصادية كثيفة العمالة في الدول الخليجية هي أنشطة هامشية، وبعضها قائم على التستر، ولذا، فالعمالة التي تستوعبها غير منتجة.

وطالب بإيجاد اقتصاد يعتمد على المزايا النسبية التي تتمتع بها منطقة الخليج العربية، ويعطي إنتاجية ذات قيمة مضافة أعلى، مثل قطاعات المعرفة والتقنيات الحديثة.

ولفت إلى أن السعودية أقرت أخيرا استراتيجية التوظيف السعودية على المدى البعيد، لتوظيف نحو مليون وربع المليون مواطن.

20 ٪ عمالة منزلية غير منتجة

وأكّد أستاذ علم الاجتماع في جامعة البحرين الدكتور باقر سلمان النجار، أن استمرار العمالة الأجنبية داخل الخليج بمعدلات مرتفعة لفترات طويلة لأنها تشكل مفاصل أساسية في النشاط الاقتصادي والاجتماعي وربما الثقافي، معتبرا أن أهم عوامل حضورها المكثف هو حجم الإنفاق الحكومي، حيث يعتمد عمل القطاع الخاص ـ بحسب رأيه ـ على مقدار الإنفاق الحكومي داخل المجتمع المحلي، ورأى أن بعض الدول الخليجية تعتبر استقدامها العمالة مسألة سياسية ترتبط بدورها مع الدول المصدرة للعمالة، إلى جانب أن نسبة كبيرة من العمالة الأجنبية تدخل الخليج ليس لحاجة فعلية وإنما يستخدمها البعض كمورد رزق عن طريق ما يسمى «الفيزا الحرة»، وهو ما تنجم عنه ظواهر العمالة السائبة والعمالة غير الشرعية.

وأضاف: أن العمالة المنزلية تعد من أبرز فئات العمالة الأجنبية غير المنتجة وتبلغ نحو 20٪ من حجم العمالة في دول المجلس، وهي عمالة تكميلية لا تعود بأي مردود اقتصادي.

وأوضح: أن الورش والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة من أهم القطاعات التي تضم عمالة كثيفة مردودها الإنتاجي قليل.

6 ملايين وافد في 5 سنوات

وقال النجار: إن السنوات الخمس الأخيرة شهدت نموا في أعداد الوافدين في دول مجلس التعاون الخليجي بلغ نحو ستة ملايين وافد، أي نحو مليون وافد سنويا، ما يعكس الحجم الحقيقي للمشكلة.

ولفت إلى أن إجمالي عدد السكان المتوقع في دول مجلس التعاون حتى نهاية العقد الحالي يصل إلى 40 مليون نسمة، علما بأن كل زيادة في السكان يقابلها نقص في أعداد المواطنين بالنسبة للوافدين، حيث تشير المعطيات الرسمية إلى أن عدد المواطنين في كل من الإمارات وقطر لا يتجاوز الـ10٪ من إجمالي السكان.

وأوضح النجار: أن حجم العمالة الأجنبية في الخليج سيصل بعد سنوات قليلة من 11 مليون عامل حاليا، إلى 17 مليون عامل، على الرغم من وجود الأزمة المالية الحالية.

وأضاف الباقر: أن هناك احتمالا لحدوث هجرة عمالية معاكسة في هذه الدول في حالة انخفاض أسعار النفط إلى أقل من 15 دولاراً للبرميل وتفاقم تداعيات الأزمة المالية العالمية، حينها ستتأثر قطاعات الإنشاءات والعقارات وبعض مجالات القطاع الخدمي كالقطاع المصرفي والمالي والفندقي.

هجرة العقول الخليجية

وأكّد مستشار السياسات العلمية الدكتور أنطوان زحلان في ورقته «التركيبة السكانية والتنمية البشرية في دول مجلس التعاون»، أن السنوات الماضية شهدت هجرة عقول بشرية عربية وخليجية كثيرة إلى دول العالم الغربي، لعدم وجود البيئة العلمية الصالحة للتطوير والتقدم.

وقال: إن السنوات الـ40 المقبلة، ستشهد فيها دول الخليج تحولا هائلا في التركيبة السكانية حيث يزداد عدد سكانها ليصبح مشابها للدول الأوروبية الكبيرة، ومن ثم ستصبح مطالبة بالتكيف مع الظروف الجديدة والاعتماد على النفس تكنولوجياً ومعرفياً.

وقال الخزرجي: إن مصطلح التوطين ظهر منذ نحو أربعة عقود، ولم يتم التعامل معه بالشكل الأمثل، حيث ارتفعت نسبة العمالة الأجنبية لمستويات قياسية.

وأضاف: أن هناك متطلبات عدة لابد من تطبيقها للوصول إلى التوطين المنشود، يأتي على رأسها إلزام المنشآت العاملة داخل الدولة بنسب توظيف وطنية قبل التصريح لها بجلب عمالة أجنبية، وقبلها أن يتوافر المواطنون الذين سيحلون محل العمالة الأجنبية، وأن تكون نسبة القوى العاملة الوطنية أكبر من الوافدة، وكذلك توافر الإرادة الوطنية لدى أصحاب العمل وألا تكون استراتيجيات التوطين متباعدة ومنفصلة لكل جهة حكومية على حدة، وإلزام الحكومة بوضع سياسة توطين وإلزام سوق العمل بالالتزام بها، حيث أثبتت التجربة أن سوق العمل يلتف على القوانين والإجراءات الخاصة.

تهديدات متعددة

قال رئيس مجلس إدارة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية الأمير تركي الفيصل : إنه من المستغرب أن يكون هناك عاطل واحد عن العمل من مواطني دول مجلس التعاون الخليجي في الوقت الذي تضم فيه هذه الدول الملايين من العمالة الأجنبية.

وأكد أن دول الخليج العربية ستعاني تهديدات أمنية واقتصادية واجتماعية وثقافية وديموغرافية كثيرة إذا لم يتم تدارك الوضع بسياسات حكيمة عاجلة، لتعزيز الهوية الوطنية، ومعالجة الخلل السكاني الذي نبه إليه صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان.

واضاف: أن الدول الخليجية مطالبة بالعمل على استكمال عملية التكامل القائمة والسعي لتحقيق وحدتها، ومراجعة السياسات الاقتصادية لبناء اقتصادات وطنية تعود فائدتها إلى شعوبها وليس إلى الملايين الوافدة من العمالة الأجنبية.

وأكّد أن استمرار السياسات الحالية سيجعل الشعوب الخليجية أقليات في أوطانها، وتاليا، سيـكون وجــودها نفسـه عرضة للخطر.

الأزمة الاقتصادية تحتم التنويع الاقتصادي

قال سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان، وزير الداخلية: إن الموارد البشرية تعد المرتكز الرئيس في أية استراتيجية للتنمية ومن ثم تولي معظم دول مجلس التعاون أهمية للاستثمار في الموارد البشرية من خلال تطوير التعليم والرعاية الصحية والارتفاع بمستوى المعيشة، ومحاولة إيجاد التوازن بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل والتوطين.

وأكّد أن الأزمة الاقتصادية والمالية التي طرأت على العالم بأسره والتي من نتائجها انخفاض سعر البترول والخسائر المالية الضخمة التي منيت بها أسواق الأسهم العالمية والخليجية وزيادة نسبة البطالة وتراجع سوق العقارات والاستثمارات الداخلية والخارجية، عكست ضرورة تنويع القاعدة الاقتصادية وتطوير مصادر الدخل القومي وإيجاد المناخ المناسب لجذب الاستثمارات الخارجية والاعتماد على موارد بشرية مؤهلة وقادرة على التعامل مع المستقبل.

وأضاف: أنه على الرغم من أن هذا المؤتمر تقررت إقامته قبل بضعة أشهر، أي قبل ظهور ملامح الأزمة العالمية، فإن القضايا والمحاور التي يتناولها تحاول معالجة آثار هذه الأزمة بما يحد من الخسائر المحتمل حدوثها ويطرح توصيات لمواجهة التحديات المتربطة بالاستثمار في رأس المال البشري والتنمية المستدامة.
طباعة