الثقافة تواكب العمران في دبي - الإمارات اليوم

الثقافة تواكب العمران في دبي

 
إطلاق مجلس دبي الثقافي، صدور مرسومين من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، بإنشاء دار أوبرا عملاقة من تصميم المهندسة المعمارية الشهيرة زها حديد، تخصيص إدارة خاصة في مركز دبي المالي العالمي ينصبّ جهدها على تنظيم واستضافة الفعاليات الثقافية والفنية الكبرى، عالمياً وإقليمياً برئاسة مروان بن بيات، استضافة مهرجان الفن الفرنسي بموجودات فنية تتجاوز قيمتها مئات الملايين من الدراهم في دبي، افتتاح مقر جديد لندوة الثقافة والعلوم بالممزر تصل مساحته إلى أكثر من 100 ضعف سابقه بشارع الرقة ويحتوي على مكتبة ومسرح نموذجيين، إطلاق هيئة الثقافة والفنون برئاسة الشيخ ماجد بن محمد بن راشد، وأخيراً الكشف عن مشروع خور دبي الثقافي، الذي يعد الوجهة الثقافية الأشمل في العالم بامتداده على مسافة 20 كيلومتراً، والذي سيحول دبي الى مركز ثقافي عالمي ويجعل من الإمارات مركزاً لحوار الحضارات. 


كل هذا الاحتفاء والاهتمام الرسمي بتوفير بيئة ثقافية نموذجية تتواءم مع استراتيجية دبي الحديثة، أفرز لدى المنتمين إلى الوسط الثقافي بشكل عام قناعة بوضوح قرار القيادة السياسية بالمواءمة بين تقدم الإمارة الاقتصادي والعمراني من جهة، وازدهار الحياة الثقافية بشتى صورها من جهة أخرى، حيث أجمع شعراء ومسرحيون وإعلاميون وفنانون تشكيليون على أن حاضر دبي الآن أضحى زمن «الحصاد الثقافي» لحضارة جمعت بين الاهتمام بالإنسان واستثمار خصوصية المكان. 

 

في هذا الإطار قال الأمين العام لمجلس دبي الثقافي، الدكتور صلاح القاسم: «بعد تجاوز إمارة دبي مرحلة تأسيس البنى التحتية لاقتصاد قوي بكل ما يتطلبه من مرافق وخدمات واستراتيجيات تعكس أهمية دبي في مجال المال والأعمال، تم التركيز على النهوض بالحياة الثقافية بشتى صورها ليواكب التقدم المادي تقدم آخر معنوي يشمل الحياة الفكرية والإبداعية، وهو توجه بلغ مداه كخيار استراتيجي في الرؤية الاستراتيجية لإمارة دبي». وأضاف القاسم «إن جميع العاملين والمهتمين بالشأن الثقافي يتوقعون أن تشهد المرحلة المقبلة مزيداً من الازدهار للحياة الثقافية في ظل تواتر إنشاء كيانات  ومؤسسات كبرى، مثل هيئة الثقافة والفنون ومشروع خور دبي الثقافي ودار الأوبرا».

 

خصوصية شعرية
وفي حين عبّر القاسم عن وجهة نظر مؤسساتية، فإن الشاعر علي الخوار تحدث من جانبه بعين الشاعر قائلاً: «سوف يكرّس المشهد الحالي الذي تشهده الدولة من الاهتمام بالثقافة والفنون والإبداع بشكل عام في أحد نتائجها، الحركة الدؤوبة التي تعيشها الحياة الشعرية، وهو أمر يقف وراءه من دون شك، شاعر وقائد من طراز خاص هو صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، الذي لا يدع باباً يسهم في نهضة الشعر الإماراتي إلا طرقه، سواء عن طريق إنشاء الدوريات التي تُعنى بالشعر مثل مجلة «جواهر»، أو إطلاق المسابقات الشعرية في المناسبات الوطنية، وكذلك الألغاز التي تلهب مخيلة الشعراء وترفد الساحة الشعرية بمبدعين جدد.

 

وأضاف الخوار: «الشعر بشكل عام، والشعبي منه بشكل خاص، أضحى وفق هذه الخطوات مكوناً رئيساً في الهوية الوطنية، إلى الدرجة التي تحول فيها حدث يفترض أنه اقتصادي بحت، مثل مهرجان دبي للتسوق، يضم في مقدمة فعالياته الكبرى أحد أهم المهرجانات الشعرية في منطقة الخليج العربي، وهو ملتقى دبي للشعر الشعبي، الذي يبلغ العام المقبل دورته الثامنة، لذلك فإن إنشاء الكيانات والمؤسسات الثقافية الجديدة، لاسيما هيئة الثقافة والفنون التي يتوقع لها أن تقود الحركة الثقافية في الإمارة، سوف يسهم في إضفاء مزيد من النشاط في بيئة شعرية نشطة بالأساس، لتكون المحصلة أيضاً مزيداً من التقدم والألق للحياة الشعرية في الإمارات بشكل عام ودبي بشكل خاص».

 

مطالبة إعلامية
الإعلاميون ايضاً استقبلوا القرارات الأخيرة التي سرّعت من وتيرة ملاحقة الحياة الثقافية لنظيرتها الاقتصادية المزدهرة في دبي بتفاؤل شديد لا يخلو من المطالبات، وهو ما عبّرت عنه مقدمة نشرة الأخبار في قناة دبي الفضائية، ميرة المهيري، بقولها: «أعتقد أن إنشاء هيئة الثقافة والفنون في دبي برئاسة الشيخ ماجد بن محمد بن راشد، وما أعقبها من إطلاق الكشف عن مشروع خور دبي الثقافي، يأتي في سياق الاستراتيجية العامة لإمارة دبي، التي كشفت عن الاهتمام الرسمي بالحياة الثقافية في الإمارة، وهو أمر من المؤكد أن تتبعه خطوات ملموسة تفضي إلى مزيد من التفعيل للأنشطة الثقافية بشكل عام، وهو أمر يجب أن يتم في إطار من الموازنة بين تشجيع الطاقات والمواهب التي يزخر بها كل مجال من مجالات الإبداع الثقافي في الدولة من جهة، وبين السعي إلى اكتشاف المواهب الوليدة والعمل على صقلها وتنميتها من جهة أخرى».


وأشارت المهيري إلى أن «الأهمية الاقتصادية لدبي يمكن أن تكون قوة دافعة لاكتساب الإمارة أهمية مماثلة في مجالات الثقافة والفنون من خلال تقديم نموذج جديد من الفعاليات الثقافية التي تستثمر الخبرة المتحصلة والشهرة الدولية لدبي في مجالات تنظيم المؤتمرات والندوات والفعاليات الدولية الاقتصادية، من خلال القيام بالأمر نفسه في المجال الثقافي، بشرط  تفادي مغبة الوقوع في فخ ما يمكن أن يسمى بـ«ثقافة النخبة» أو «ثقافة البيزنس»،  أو على الأقل تجاهل حقيقة أن المعرفة والثقافة يجب ألا يتحولا إلى ترف مقصور على البعض دون الكل».

 

«ثقافة البيزنس»
التحذير من الوقوع في فخ «ثقافة البيزنس» هو الهاجس ذاته الذي حذر منه رئيس مجلس إدارة مسرح دبي الأهلي، يوسف بن غريب المحمود، الذي أكد أن الحياة الثقافية في دبي كانت بالفعل في أمسِّ الحاجة لاستيلاد هيئة جديدة تنتظم في ظلالها كل المؤسسات الثقافية في الإمارة، مضيفاً: «لا أعتقد أن ثمة تعارض يمكن أن ينشأ بين سلطة الهيئة الجديدة ومجلس دبي الثقافي على وجه التحديد، باعتباره الجهة التي كانت تتولى التنسيق بين الفعاليات الثقافية قبل إنشاء الهيئة؛ نظراً لكون الهيئة جهة جامعة للمؤسسات الثقافية في دبي، بما فيها مجلس دبي الثقافي»، مشيراً إلى أن «تحدي إقامة مهرجانات ثقافية كبرى تهم الجمهور وليس فئة معينة، من أبرز التحديات التي ستواجه هيئة الثقافة والفنون، لاسيما أن المرحلة الماضية كانت تشهد إقامة عدد كبير من الفعاليات التي تدخل في إطار ثقافة النخبة»، مشيراً إلى أن الحياة الثقافية في دبي بحاجة ماسة أيضاً إلى فعاليات تراعي التعددية الثقافية التي تمثل واقع الحياة الاجتماعية في دبي، مع التركيز على الهوية العربية للإمارة.


وفيما أكد المحمود أن تدشين هيئة الثقافة والفنون يحدد أن العمل الثقافي هو خيار دبي في المرحلة المقبلة، طالب في الوقت ذاته بالعمل على إنشاء المزيد من دور العرض المسرحية المؤهلة لاستضافة أعمال كبرى كنواة أساسية للنهوض المأمول بالفن المسرحي، ضمن النهضة الثقافية الشاملة التي ستعمل هيئة الثقافة والفنون على إنجازها.


من جانبه، طالب الشاعر الشعبي المعروف حمد بن سوقات بأن «يكون للشعر الشعبي نصيبه من الاهتمام في عمل هيئة الثقافة والفنون المزمع»، منتقداً بشكل خاص غياب الاهتمام الإعلامي بالشعر الشعبي، مضيفاً: «تلفزيون دبي على سبيل المثال كان من أبرز الجهات الإعلامية المساهمة في نهوض حركة الشعر الشعبي، عبر متابعته لمجالس الشعر والشعراء ورصدها ونقلها لمتذوقيه»، مشدداً على أن «الشعر الشعبي أحد الحلول الأساسية التي توارثناها جيلاً بعد جيل للوقاية من سطوة فساد الأذواق الشعرية، وآفات فقر المعنى وكسر الوزن وتحطيم القافية».

 

ثقافة تُساير الاقتصاد
من جانبه، توقع مدير مشروعات هيئة الثقافة والفنون في دبي، سعيد النابودة، أن تتمكن دبي من تحقيق الريادة على مستوى المنطقة في المجال الثقافي، كما حققتها بجدارة في المجال الاقتصادي، مضيفاً: «الحراك الثقافي في دبي لم يخمد يوماً في الواقع، إلا أن الترويج لدبي على أنها مدينة المال والأعمال كان الأكثر بروزاً في المرحلة المقبلة، في حين جاءت الخيارات الاستراتيجية للإمارة مستكملة لاهتمام القيادة السياسية بشكل عام بإنسان هذا المكان وبكل ما يحمله من قيم اجتماعية ومنظومة ثقافية وعادات متوارثة، وأعتقد من وجهة نظري أن إنشاء هيئة الثقافة والفنون في دبي سوف يصب في خانة تسريع دفع عجلة الازدهار الثقافي من أجل الوصول إلى مواكبة ازدهار الحياة الاقتصادية في الإمارة».

 

 


مطالب مسرحية
رئيس جمعية المسرحيين السابق، المخرج المسرحي عمر غباش، من جانبه أكد الفكرة نفسها التي تستبشر بسنوات العقود الأولى من القرن الحادي والعشرين في حاضر دبي ومستقبلها، مضيفاً «ازدهار النشاط الثقافي بشكل عام ليس ظاهرة جديدة على واقع إمارة دبي، لكن الجديد هو تلك الرغبة المخلصة في المواءمة بين مظاهر التقدم البارزة في المجالين الاقتصادي والعمراني، وبين حال الحياة الثقافية، في ظل قيادة سياسية رشيدة لا ترضى دائماً بغير تحقيق نسبة انجاز كاملة في كل رؤاها وأهدافها.

 

لذلك جاءت خطوة انشاء مجلس دبي الثقافي من نحو أربع سنوات، كإحدى الخطوات التي ساهمت بقوة في النهوض بالحياة الثقافية في توقيت كانت الفعاليات الثقافية بالإمارة في حاجة ماسة بالفعل لوعاء ناظم. 

 

ولم ينس غباش الذي يتولى حالياً رئاسة صندوق التكافل الاجتماعي بجمعية المسرحيين، التعبير عن مطالب زملائه المنتمين للمسارح المحلية بقوله: «أعلم أن أمام هيئة الثقافة والفنون التي تولى رئاستها سمو الشيخ ماجد بن محمد بن راشد، الكثير من المشروعات والاستراتيجيات الثقافية التي تعتزم إنجازها خلال المرحلة المقبلة، لكنني أعتقد أن الفن المسرحي بشكل خاص بحاجة أكثر من سائر الفنون الثقافية إلى مزيد من الرعاية في ظل الإشكالية المزمنة التي يواجهها المسرحيون.  

 


ازدهار تشكيلي
الفنان التشكيلي الفائز بجائزة الدولة التقديرية في نسختها الأولى عبدالقادر الريس،  أشار إلى أن «الفنون التشكيلية هي أحد أبرز القطاعات الثقافية التي حققت مكاسب كبرى قياساً بسائر أفرع الحياة الثقافية، متوقعاً أن تشهد المرحلة المقبلة اكتساب مزيد من النجاحات للفن التشكيلي المحلي، في ظل إصرار القيادة السياسية على إحداث نوع من التوازي بين النهضة الاقتصادية المتسارعة لإمارة دبي من ناحية، وبين الحياة الثقافية التي تعد الفنون التشكيلية أحد أهم مظاهرها».

 

وأضاف الريس «النظرة العامة للفنون البصرية بشكل عام والتشكيلية بشكل خاص، قد تغيرت خلال السنوات الثلاث الماضية، بفضل إنشاء مجلس دبي الثقافي، لذلك أتوقع أن تتواصل نهضة الفنون التشكيلية بالتبعية مع تواتر إنشاء مؤسسات ثقافية تضع نصب أعينها أن النهوض بالحياة الثقافية أصبح أحد أهم بنود الاستراتيجية الشاملة لإمارة دبي»، وهذا ما أكدته أيضاً الفنانة التشكيلية عضو مجلس دبي الثقافي، الدكتورة نجاة مكي، التي أشارت بشكل خاص إلى أن «أحد أهم إنجازات رعاية الفنون التشكيلية هو وصول الفنان الإماراتي إلى العالمية، وتخطيه لأول مرة حاجز الإقليمية من خلال الدعم الرسمي لمشاركة الفنانين الإماراتيين في عدد من المعارض الدولية، سواء من خلال بروتوكولات التبادل الثقافي، أو عبر دعم المشاركة في المعارض الدولية».

 

طباعة