التبت ينتفض ضد قبضة الصين


شكَّلت قضية إقليم التبت أحد النزاعات السياسية الكبرى التي تشهدها الصين منذ 50 عاماً، وتؤكد بكين منذ القرن الثالث عشر أن التبت، أو «المملكة الدينية البوذية» التي تبلغ مساحتها 1.2 مليون كلم مربع، وتضم 2.7 مليون نسمة، اقليم صيني. وبعد عام من إعلان ماو تسي تونغ جمهورية الصين الشعبية، قامت القوات الصينية باحتلال الاقليم، وكان ذلك في العام .1950  وبعد تسع سنوات من ذلك،  بدأت حركة احتجاج واسعة قوبلت بالقمع، ما أدى إلى سقوط آلاف الضحايا.


وعلى مدى 50 عاماً من الصراع، عمل التبتيون في الداخل والخارج، وعلى رأسهم زعيمهم، الدالاي لاما الذي تلقى دعوات من دول كثيرة لزيارتها، خصوصاً الغربية منها، وذلك رغم استياء الصين، على النضال والتعريف بقضية شعبهم. 


ورأت الصين في منح الرجل جائزة نوبل للسلام في العام 1989 بعد تمرد سحق بعنف في التبت، ضربة قاسية لها. وكان قد تم منح المنطقة حكماً ذاتياً جزئياً في العام 1965 قبل أن تصل إليها الثورة الثقافية بعد عام من ذلك، التي قامت خلالها السلطات الصينية بتدمير آلاف المعابد وإتلاف الكتب، واعتقال الرهبان.


وجرت محاولات للحوار قبيل نهاية السبعينات واستمرت خلال السنوات الاولى من الثمانينات، اذ أبدت بكين خلالها استعدادها لنسيان «خيانة» الدالاي لاما، والقبول بعودته، ولكن دون أن تسند إليه بمسوؤليات، شريطة أن يقيم في العاصمة الصينية، وليس في عاصمة التبت، لاسا.


إلا أن الدالاي لاما رفض ذلك، وقدم تنازلاً كبيراً بتخليه عن فكرة استقلال التبت، داعياً إلى حكم ذاتي حقيقي.


حُلم الاستقلال
 رغم محاولة الصين التعتيم على ما يجري في إقليم التبت، إلا أن وسائل الإعلام نجحت هذه المرة في كشف جزء مما يحدث في هذا الركن المنسي من العالم.


 فقد بدأت المصادمات بين آلاف المتظاهرين التبتيين وقوات الأمن الصينية قبل نحو أسبوعين، بمناسبة ذكرى انتفاضة الإقليم ضد الحكم الصيني في عام 1959، والتي غادر عقبها الزعيم الروحي لسكان الإقليم، الدلاي لاما، البلاد للإقامة في منفاه بالهند.


 وبدا المتظاهرون هذه المرة أكثر جرأة من أي وقت مضى، فبعد أن كان الكفاح من أجل الاستقلال سلمياً وتغلب عليه السرية، حيث كان الكبار يلقنون الصغار عبارات الحرية مثل «التبت مستقلة» و«عاش الدلاي لاما»، أصبح التبتيون أكثر شجاعة وإصراراً على مواجهة الحكومة المركرية.
 

وقد كان الرهبان البوذيون طليعة حركة التمرد وخرج الآلاف منهم إلى الشوارع، متحدّين قوات مكافحة الشغب. 


ويرى البعض أن ثورة الرهبان في بورما قد فتحت شهية نظرائهم في التبت، رغم أنها لم تنجح في تغيير النظام العسكري هناك.


وتقول الاحصاءات غير الرسمية ان الشعب التبتي بات أقلية في أرضه، بسبب نقل السكان المستمر للصينيين من الأقاليم الداخلية إلى التبت، في السنوات الأخيرة.


 وذلك بحجة تطوير الاقليم اقتصادياً واجتماعياً. ويعتبر قادة التبتيين ما تقوم به الحكومة الصينية محاولة لتغيير التركيبة السكانية، الأمر الذي يمثل تهديداً مباشراً للشعب التبتي، اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، كما يهدد الثقافة التبتية المميزة.


فرصة مواتية
 يقول الناشطون التبتيون في الإقليم وخارجه إن 2008 عام الحظ بالنسبة للشعب التبتي، حيث يجب لفت أنظار العالم، ليعرف قضية سكان الإقليم.
 
وتنظم الصين دورة الألعاب الأولمبية هذا العام، وتتوقع الصين نجاحاً كبيراً لهذه الفعاليات، نظراً للاستعدادات التي تقوم بها بكين منذ سنوات.

إلا أن الأمر الذي أغفلته القيادة الصينية، هو احتمال تفجر الاحتجاجات في الاقليم الذي طالما قض مضجع الساسة الصينيين منذ مئات السنين. ويقول أحد الناشطين التبتيين، انها فرصة ذهبية لنعرف العالم بقضيتنا، وأن نفوت الفرصة على النظام الصيني، للاستمتاع بالنجاح في تنظيم الألعاب. 

ويؤكد أحد الرهبان المشاركين في الاحتجاجات الأخيرة، «ليس لدينا أي مشكل مع مواطنينا الصينيين.. مشكلتنا مع النظام في بكين.

ويذكر في هذا الصدد أن المجموعة الغربية تلقي باللائمة على الحكومة الصينية، بسبب انتهاكاتها لحقوق الانسان، إلا أن حدة الخلاف بين الغرب والصين تراجعت في الآونة الأخيرة، بعد النمو الاقتصادي الكبير الذي حققته بكين، وباتت منافساً حقيقياً في الأسواق العالمية.
 

شعب الرهبان
 يميل أهل التبت إلى التدين، فالبوذية والدولة لديهم لا ينفصلان. وقد أسسوا الدولة الدينية منذ عام 850م، والدلاي لاما الذي يقود نضال شعبه السياسي مازال يعتلي أكبر رتبة دينية لأهل التبت.


ولهذا السبب اختار التبت حق تقرير المصير، عن طريق النضال السلمي طويل الأمد.

والعاصمة لاسا هي «أرض الآلهة» حسب اعتقاد الناس في التبت، وتوجد بها العديد من المعابد العريقة، التي يؤمها الآلاف من المصلين يومياً، والتي تكتظ بداخلها بعشرات الرهبان.
 

 فأهل التبت هم شعب من الرهبان، فما من عائلة إلا وأحد أفرادها على الأقل من الرهبان أو الراهبات، ويصعب على المرء التفريق بينهم، فالجميع يحلقون رؤوسهم، ويلتحفون برداء أحمر داكن.