ثقافة «تنزيل البنطلون»! - الإمارات اليوم

ثقافة «تنزيل البنطلون»!

سامي الريامي

 
ضيّعت كثيراً من الوقت خلال اليومين الماضيين للبحث والسؤال عن موضة «تنزيل البنطلون» لدرجة إظهار الملابس الداخلية عند كثير من الشباب، وبصراحة صُدمت من المعلومات القليلة و«المثيرة» عن هذه الظاهرة التي وصلت أخيراً الى الإمارات بعد أن انتشرت في الدول العربية الأخرى قبل ثلاث سنوات تحديداً.

 تشير معظم «المراجع» ومنها «النيويورك تايمز» إلى أن الظاهرة «أميركية» بحتة ظهرت في التسعينات مع ظهور ثقافة «الهيب هوب» التي اشتهرت بـ«الباغي بانت» أي البنطلونات الواسعة، وتحديداً فقد خرجت موضة «تنزيل البنطلون» من وراء قضبان السجون بين المجرمين و«عتاولة» المهربين، والخارجين عن القانون.
 
ولأن الأحزمة كان يمنع ارتداؤها في تلك السجون، نظراً لخطورة القابعين في العنابر والزنازين، الذين كثيراً ما استخدموا الأحزمة في العراك والقتال وضرب بعضهم بعضاً، فقد انتشرت بينهم ظاهرة «ارتخاء» سروال السجن، ووصوله الى نقطة ما تحت «الخاصرة» ليتشبث في عظام الحوض، ولكم طبعاً أن تتخيّلوا أشكال المجرمين ومهربي المخدرات والقتلة الأميركان أصحاب الجثامين العملاقة، والعضلات المنتشرة عشوائياً في مناطق الجسم المختلفة بسراويل «مبهدلة» ومتدلية إلى ما تحت الحوض!
 
وبعد خروج «العتاولة» الذين تعودوا على السروال النازل لسنوات محكومياتهم الطويلة، استمروا في لبس البنطلون «الجينز» بالطريقة نفسها، ليتحول بعدها هذا المنظر الى موضة تعرف باسم «ساغنغ بات» أو البنطلون المعلق، وانتشرت في مختلف أصقاع الأرض، لينتشلها الشباب العربي، ومن بعده «ربعنا» في الإمارات الذين بدأوا بدورهم في «التمخطر» في المراكز التجارية مرتدين هذه «البنطلونات» المرتخية على مؤخراتهم بشكل مقزز للغاية، وبالغوا في ذلك لدرجة إظهار نصف ملابسهم الداخلية أو أكثر قليلا!

والغريب في الأمر أن بعض الولايات الأميركية مثل «أتلانتا» انتبهت إلى هذه الظاهرة، وأصدرت قرارات تمنع ارتداءها في الأماكن العامة، ما يدل على أن تنزيل البنطلون لا يدخل في بند «الحريات الشخصية» كما يحب أن يطلق عليها البعض، وإلا لما اضطر المشرّعون في «أتلانتا» الى منع ارتدائه، ولكن نحن دائماً عشاق تقليد «تفاهات» الشعوب المتطورة، بدءاً من التسريحات الى الملابس الى كل ما هو شكلي وكمالي، أما التطور الحقيقي في السلوك الحضاري، والممارسات الراقية، والثقافة والفكر، فإن ذلك لا يشغل بال الكثير من الشباب وغيرهم من «المقلدين».
 
انتشار ثقافة «البنطلون النازل» بين الشباب المواطنين والعرب، ليس أمراً عارضاً حاله حال موضة «كشة» بوب مارلي، أو«ليونة» مايكل جاكسون، بقدر ما تعكس ضحالة جيل، وضياع «تربية»، و«غفلة» أولياء أمور، وترسيخ «تغريب»؛ إنها تتجاوز مأساة الـ«أندر وير» الملون المطل من مساحات خُصصت للبنطلون النازل، الى مأساة عقول فارغة، منبهرة بكل ما هو سيّئ عند الغرب.
 
إنها مأساة مستقبل يسير باتجاه البنطلون النازل، في حين أن الدولة تستثمر المليارات لترفع قدر الإمكان من ثقافة الجيل الجديد وتعليمه وتأسيسه. ربما يعتقد البعض أن المسألة ليست بهذا السوء، ولكنني أعتقد أن التأثير في تفكير شاب في العشرين وعقله، لدرجة إقناعه بـ«تنزيل بنطلونه» في مركز تجاري، ليس أمراً هيّناً يمكننا تجاوزه والسكوت عنه!

  reyami@emaratalyoum.com 
طباعة