الثقافة الجنسية «القول المحظور»


 
التثقيف الجنسي في المدارس، قضية محاطة بالمحظور، تشكل محور جدل بين مؤيد يرى فيها ما يبعد الطفل عن أخطار الوقوع في التحرش الجنسي أو انتهاج سلوكيات جنسية غير سوية، ومعارض يرى فيها دعوة مبطنة للانحراف والانجراف وراء الشهوات والغريزة تحت ذريعة العلم.
وبين المؤيد والمعارض يبقى الطفل عُرضة للكثير من التساؤلات، التي تعترض عالمه، أثناء الانتقال من مرحلة الطفولة إلى مرحلتي البلوغ والمراهقة، دون أن يجد لها الإجابات العلمية الصحيحة ضمن المناهج الدراسية التي لا تتيح الدخول في تفاصيل تتعدى شرح الجهاز التناسلي لدى الإنسان. وبالتالي لا يتكون لدى هذا المراهق سوى نتيجة واحدة للفعل الجنسي، وهي أنه عمل يؤدي للحمل، وهذا ما يبعده عن التوعية التي تظهر له الكثير من إيجابيات أو سلبيات الحياة الجنسية، وكيفية التعاطي معها، وذلك وفقاً لطرق علمية بعيدة كل البعد عن الغريزة أو الشهوات. 
 
 وفي هذا الإطار تؤكد مديرة مدرسة الشارقة الأميركية الدكتورة عائشة السيار، ان «المعلومات الجنسية التي تقدم ضمن مادة العلوم تخضع لمعيار العمر بالدرجة الأولى، وانه تعليم توجيهي، اكثر منه تثقيفي. اذ انه بات من السهل على المرء تكوين ثقافته الخاصة في عصر التطور، من خلال الإنترنت، او البرامج التي تُعرض على الفضائيات، مؤكدة في الوقت عينه «انعدام المجال للحديث عن مصادر صحية، او غير صحية في مجال التثقيف الجنسي؛ لأن  المعلومات منتشرة في كل مكان، ومن اليسير الحصول عليها، والمراهق يختار بناء على ما نشّئ عليه».
 
 ولم تنفِ السيار«وجود تساؤلات كثيرة يطرحها المراهقون على المدرسين خارج اطار المنهاج الدراسي، لافتة الى ان الإجابة عنها تتحدد وفقاً لعمر الطالب، وجرعة المعلومات المناسبة له، وبأسلوب يتوافق مع سنه، مؤكدة ان المنهاج المدرسي يقدم المعلومات بطريقة مدروسة، ولا يحتاج الى اي اضافات او زيادة».
 
 تربية توجيهية  وقد صبغت الدكتورة السيار الدور الأساس للمدرسة «بطابع التربية التوجيهية التي تضع الطالب على الطريق الصحيح، وتبعده عن الانحراف، فهي ترى «ان التربية تتقدم التعليم، وهذا ما يمكن الطالب من التمييز بين الصحة والخطأ، مستبعدة ان يكون التحرش الجنسي او حتى السلوكيات الجنسية غير السوية ناتجة عن غياب هذه الثقافة، لأن السبب الرئيس لبروز هذه الآفات هو سوء التربية، لافتة الى فيضان المجتمع بالظواهر غير السوية التي لا تناسب الجيل الجديد؛ مما يجبر المرء على مشاهدة الكثير مما لا يصح مشاهدته على الملأ».
 
 وتضيف « لذا فإن الحصانة التي نؤمنها في المدرسة من خلال التربية والتركيز على الأخلاق والسلوك تشكل الأساس الداعم الذي يقي الطالب من اخطار ما يرى، وتمكنه من تكوين شخصية مستقلة سليمة وقوية، مما يعزز لديه الشعور بالثقة، ورفض التنازل عن ما حققه على المستويين التعليمي والأخلاقي». 
 
غياب الثقافة  ويؤكد الطبيب الاستشاري في الطب النفسي علي الحرجاني «وجوب توفير المعلومات الجنسية الصحيحة للمراهق، والتي يجب ان تقدم له التغييرات الفسيولوجية التي يتعرض لها، ليتمكن من تجاوز اخطار هذه المرحلة، على ان تبدأ هذه الثقافة في المرحلة التي تسبق البلوغ، أي في عمر الـ10 سنوات. مؤكداً «ان عدم توافر الثقافة الجنسية السليمة والصحيحة يؤدي الى انزلاق سلوكي، وتصرفات لا اخلاقية، ومنها التحرش الجنسي او الشذوذ الجنسي، التي غالبا ما تنتشر بين المراهقين في هذه المرحلة الخطرة».
 
ويضيف الحرجاني «انه من الضروري في هذه الظروف التي نمر بها في عالم التكنولوجيا وثورة المعلومات، واختلاط الثقافات والجنسيات، وسهولة التواصل ان نولي اهتماماً خاصاً لمرحلة المراهقة التي تعتبر مرحلة قوية الحافز لدى المراهق ليعرف عن جسده وداخله. لذا يجب ان يقف المجتمع المحيط بالمراهق الى جانبه ليبعده عن اللجوء الى المصادر الأخرى التي قد يلجأ اليها ومنها الإنترنت او الأصدقاء، وغالباً ما تكون مصادر غير سليمة على قاعدة ان كل ممنوع مرغوب.
 
ويجب ان يترافق تقديم المعلومات الصحية والسليمة للمراهق، مع تقديم البدائل التي تشغل المراهق عن تركيز معظم اهتمامه وطاقته في موضوع الجنس كي لا يصل المراهق الى مرحلة الهوس الجنسي الذي  يواجهه الكثير من الشبان بسبب خجل المجتمع من التطرق الى هذا الموضوع، لأن الهوس الجنسي من اخطر ما قد يتعرض له  المراهق».  
 
  ثقافة سلوكية  وبما ان الثقافة الجنسية ليست غاية في حد ذاتها، بل انها جزء لا يتجزأ من الحياة الاجتماعية والحياتية والشخصية، طالبت الكاتبة فضيلة المعيني، وزارة التربية والتعليم «بتدريس الثقافة السلوكية في المدارس مادة سلوكية مستقلة، تُعنى بتدريس كل ما له علاقة بسلوك الطالب، ابتداء من السلوك الاجتماعي، ووصولاً الى السلوك الجنسي الذي، برأيها، يجب الا يقدم ضمن اطار مادة العلوم فحسب، لأنها غير كفيلة بتقديم المعلومات التعليمية الجنسية على النحو المطلوب، اذ تقدم في معظم الأحيان معلومات غير واضحة، بالإضافة الى تعاطي الأساتذة مع الطلاب في هذا الموضوع بكثير من التحفظ».
 
 التخفي وراء «العيب»  ومن جهة اخرى نفت المعيني ان يكون سبب التحفظ في هذه المناهج مرتبط بالدين، لأن طبيعة الدين الإسلامي تبيح الغوص في العلوم، مرجعة هذا الشح في المعلومات الى طبيعة الثقافة السائدة في المجتمع والتي هي ثقافة العيب.
 
وتتابع المعيني «والدليل على هذا هو وقوع العديد من المشكلات الجنسية مع الطلاب الذين تعرضوا للتحرش الجنسي، والسبب هو التخفي وراء ثقافة العيب، اذ يتعامل المجتمع واولياء الأمور والمدرسون مع الجنس على انه منطقة محرمة لا يجوز التعرض لها، فلا تلاقي الفتيات، ولا حتى الشباب في فترة المراهقة التأسيسية الأجوبة عن اسئلتهم واستفساراتهم، مقابل عيشهم في مجتمع متطور ومنفتح من خلال الإنترنت والفضائيات؛ مما يؤدي الى وقوع الفرد في شَرك المصادر غير السليمة لتحصيل المعلومات. في حين انه على المدارس، وعلينا كأولياء امور ان نسهم في تأمين المعلومات الجنسية الضرورية المتناسبة مع مختلف المراحل العمرية». 
 
وتضيف المعيني «اعتقد ان هذه المشكلة ليست مشكلة هذا الجيل فحسب، فجيلنا ايضاً تعرض الى مثل هذا الشحّ في التثقيف الجنسي، اذ كانت الفتاة تخاف من الدورة الشهرية، وتعتقد ان كارثة ما حلت بها، لأنها ببساطة لا تملك حداً ادنى من المعرفة عن التحول الهرموني الذي يشهده جسدها في هذه المرحلة العمرية، ومن الطبيعي ان تواجه هذا الشعور ان لم تكن مهيأة نفسيا لهذه المرحلة. لذا ينبغي ان تكون الفتاة، وكذلك الولد، على دراية بالتغييرات الجسدية التي ستطال جسديهما، وذلك من خلال التثقيف المدرسي بالدرجة الأولى ثم المنزلي، لئلا تستبدل بهذه المصادر الصحية مصادر اخرى غير سليمة،  كالفضائيات والإنترنت، او حتى بعض الوسائل الإعلامية التي، وللأسف، تتناول موضوع الجنس من باب الإثارة وليس التثقيف استقطاباً للقراء، مما يبعدها عن اداء أي دور تعليمي.
 
وبرأيي فإن الإنترنت والثقافات الخاطئة التي تمرر الى المراهقين بأساليب غير صحيحة هي التي ادت الى ظهور الشذوذ الجنسي وبقوة وبأسلوب مكشوف وعلني دون خجل، فنرى الذكر الذي يحوّل نفسه الى امرأة او الفتاة الميّالة الى الخشونة، فهم يمارسون هذه التوجهات الجنسية بطريقة علنية ودون اي قيود او احترام للمجتمع».
 

 المناهج الحالية تتجاهل الثقافة الجنسية وتترك الطلاب ضحية لمصادر أخرى 

 إرشادات عائلية  ينبغي للأهل العمل على تأمين المعلومات حول مرحلة البلوغ والمراهقة في المنزل، بموازاة دور المدرسة الذي يعتبر أساساً في هذا المجال. يمكن الاستعانة بالكتب الطبية التي تساعد الطفل على فهم التغييرات التي سيتعرض لها بطريقة علمية بعيدة كل البعد عن الغرائز. اعتماد مبدأ الصراحة والصداقة بين الأهل والطفل لكسر حاجز الخجل، مما يؤدي بالطفل الى طرح تساؤلاته، والتحدث عن هواجسه دون خوف.   مشكلة مناهج  في تقييمها العام للمناهج التي تتبع في المدارس بالإمارات، تعتقد الكاتبة فضيلة المعيني «ان المناهج التدريسية الحالية لا تشبع رغبات الطلبة، مما يدفعهم الى اللجوء  للإنترنت والمصادر الأخرى التي لا يمكن ان تؤدي الغرض المطلوب. مشيرة الى ان الكثير من المراهقين يتعرفون إلى تفاصيل في حياتهم الجسدية الجنسية من خلال مصادرهم الخاصة بسبب انعدام وجود التوعية، لذا ادعو الى الحديث عن هذه المعلومات الضروري تقديمها على نحو تعليمي وليس على نحو مثير».