برلمان ألمانيا والبستكية!

 
مبنى البرلمان الألماني في مدينة برلين أحد  أهم المعالم التاريخية والسياحية الجميلة التي يحرص على زيارتها الشعب الألماني، وزوّار المدينة. ويكفي أنه يستقبل سنوياً ثلاثة ملايين زائر. وإذا لم تكن ضمن وفد رسمي، فأنت تحتاج للوقوف في طابور طويل لمدة ثلاث ساعات أحياناً، حتى تدخله!

وللمبنى أهميتان، تتمثل الأولى في ضخامته، والثانية في قِدمه. لكني لن أطيل الحديث عنه، وسأكتفي بالتحدث فقط عن كيفية استغلال المباني التاريخية في الدول الأوروبية بشكل عام، ومقارنة ذلك باستغلالنا نحن لهذه المباني في الدولة، فالجميع يرى حجم الأموال المنفقة على ترميم المباني التاريخية في مختلف الإمارات. لكن في المقابل، هل لنا أن نتساءل عن جدوى ترميمها؟ بمعنى هل الترميم هدف في حد ذاته للحفاظ على المبنى فقط، وللذكرى والتاريخ وماضي الأجداد؟

نعم، الحفاظ على المباني التاريخية مهم جداً، لكن الأهم هو استغلال هذه المباني من خلال إعادة إحيائها. أما ترميم المبنى، ومن ثم تحويله إلى متحف فارغ.. إلا من «الذباب» فأمر غير منطقي تماماً!

لا أعتقد بأن هناك مسؤولاً لم يزر أوروبا حتى اليوم، إذن ألم يروا كيف تتحوّل القصور القديمة إلى فنادق يفوق سعر الليلة الواحدة فيها سعر أي فندق خمس نجوم؟ ألم نشاهد البيوت التي تجاوزت أعمارها مئات السنين، ومع ذلك فمازالت على حالها، يعيش فيها الناس حتى يومنا هذا؟ هل لنا أن نتساءل عن مصير أقدم بيت تراثي في الدولة.. أمازال موجوداً على خريطة «غوغل» أو خريطة البلدية؟!

منطقة مثل «البستكية» في دبي، وغيرها الكثير من المناطق التراثية في الإمارات الأخرى، تتمتع بموقع متميز للغاية على خور دبي، تم ترميم المباني فيها في واحد من أكبر مشروعات الترميم لتتحوّل إلى قطعة هندسية تراثية من أجمل ما يكون، تعيش مبانيها في زمن الصفاء، تعكس هوية الإمارة، وتنبض برائحة التراث. لكن ماذا استفدنا من ترميم بيوت البستكية؟ لقد أقفل معظمها، أو تحوّل إلى متاحف شبه مقفلة طوال اليوم، وجمعيات ذات نفع عام، منها جمعيتنا الموقرة، الخاصة بالصحافيين.

لقد أطلقت البلدية على المشروع عند إطلاقه «إحياء البستكية» لكن الحقيقة أن المباني مازالت ميتة إلى اليوم، على الرغم من روعة المنظر والمكان والزمان. التجربة الوحيدة الناجحة في هذه المنطقة كانت بمبادرة من امرأة «أجنبية» شعرت بعبق المكان، وأحبت الأزقة الضيقة، فاستأجرت بيتاً من بيوت البستكية وحوّلته إلى «موتيل» صغير جداً يضم ثلاث غرف، وزوّدته بأثاث «محلي» بسيط جداً.

هذا «المتيل» لا يمكن أن تجد فيه حجزاً ولو لليلة واحدة بسبب إقبال السياح «الأجانب» الشديد عليه، لقد أصبح مشغولاً ومحجوزاً طوال العام، بل الأكثر من ذلك أنها تتلقى طلبات للحجز عبر «الإنترنت» من سياح أوروبيين لم يزوروا الإمارات أبداً، لكنهم مهووسون بمثل هذه الأماكن! 
  

reyami@emaratalyoum.com