«الإيزوتيريك» يشـــيّد صرح الإنسان الداخلي بـ «المعرفــة البيضاء»

مجدلاني: هدفي إبراز العلم والبقاء في الظل. من المصدر

على الرغم من أن علم «الإيزوتيريك» قد يكون أحد أقدم العلوم التي تعامل وعاش خلالها وعبرها الإنسان، إلا أنه يعد من تلك العلوم التي تتجدد بتطور البشر، ومع كثرة الكتب والمجلات والصحف التي تحدثت عنه، والمؤلفات التي تعمقت في تفاصيله، والتي تجاوزت الـ45 كتابا عن تاريخه، إلا أن شخصا واحدا فقط، يعد أول من قدمها إلى العالم العربي، مكتفيا بتذييل أعماله التي بلغت نحو 41 كتابا، بتوقيع لا يتجاوز حروفا ثلاثة تدل على اسمه «ج.ب.م»، ليكون الدكتور جوزيف مجدلاني، الجندي المجهول الذي كرس عقودا من عمره لهذا العلم الذي يصفه أيضا بـ«المعرفة البيضاء» التي تسعى لاكتشاف الطاقات الكامنة في الإنسان وقيادة المرء لتشييد صرحه الداخلي عبر معرفة ذاته، وأسس مجدلاني المركز الأول من نوعه في لبنان والعالم العربي، تحت اسم «جمعية أصدقاء المعرفة البيضاء» لتدريس النواحي غير المنظورة من الكيان الإنساني، وكشف النقاب عن الخفايا والخبايا الكامنة في دهاليز اللاوعي البشري.

يعد الإيزوتيريك، الأصل في معرفة بواطن الأمور، وهو علم المكونات الجوهرية الخفية وغير المنظورة التي هي أساس تكوين الإنسان وكل المخلوقات، بدءا من الخلية والذرة كأصغر موجود، وانتهاء بالكون كأكبر وجود، بينما امتدت محاضرات مجدلاني المتكاثرة في موضوعات الإيزوتيريك المتنوعة، والتي تلقى في الجامعات والمراكز الثقافية والأندية والصالونات الأدبية اللبنانية، إلى خارجها، وجميعها تلقي بالضوء على خفايا المعرفة الإنسانية وخباياها الكونية، مؤلفاته مختلفة الاتجاهات متناهية الأبعاد وتسبر الأعماق، لا يتقيد فيها بنهج واحد، حتى تخاله مجموعة مناهج في شخص واحد.

تخصص مجدلاني بإدارة الأعمال والعلوم السياحية، وعمل بها ثم درسها مع بعثة للأمم المتحدة، متخصصا بالفكر العالمي والمنطق، ثم تاريخ الحضارات، وفلسفة التاريخ، وتبحر في التاريخ السحيق (الذي أهمله التاريخ الحديث)، وكان دائم البحث في خفايا الإنسان وأهمية خلقه وهدفه ومنتهاه، جال في معظم بلدان العالم أكثر من مرة ووصل إلى بقاع لم يطأها إلا قلة من الناس، انتسب إلى معاهد معرفة وجمعيات ومراكز عدة، تهتم بأمور الباطن بما في ذلك اليوغا، لكنها جميعا لم تشف غليله. ويعلل مجدلاني سبب ذلك بقوله، إنها «كانت محدودة بعلوم أشخاصها وأسلافها، فعجـزت عن توضيح الكثير من الأسئلة، كنت أبحث عن الحقيقة الإنسانية الدفينة التي أعطت الإنسان تلك الأهمية بين المخلوقات فلم أجد غير عاديات وماورائيات ينقصها الربط المنطقي الحياتي، إلى أن انتهيت أخيرا إلى الإيزوتيريك». وأشار إلى أن ما أعجبه في هذا العلم هو «منطقه العلمي المتجانس وحكمة وعيه وبلاغة فصاحته وترابط المادة باللامادة في علم تطبيقي سام يقوم على الممارسة للتحقق، إلى جانب طريقة الحياة التي يعتمدها في كل الشؤون العملية».

علم شامل

يوضح مجدلاني أنه ومثلما «اللون الأبيض يحوي كل الألوان، كذلك معرفة الإيزوتيريك شاملة مشتملة على كل المعارف»، وهذا ما أعطى هذا العلم اسم «المعرفة البيضاء»، وكلمة «إيزوتيريك» يونانية المنشأ، ومعناها «داخلي، باطني، استخدمها فلاسفة الإغريق للإشارة إلى كل ما هو خفي، على عكس كلمة إكزوتيريك التي معناها خارجي، وظاهري، ثم شاع استعمالها في اللغات الحديثة».

أما علم الإيزوتيريك، الذي تأسس مركز الإيزوتيريك لتقديمه فهو تقنية «اعرف نفسك» التي تعد الأشمل في الزمن الحاضر والأكثر دقة، والتي تقدم لكل منتسب في منهج علمي تطبيقي وعملي ليكتشف بنفسه مكنوناته الخفية وطاقاته، ويتحقق منها ويوظفها في أعماله اليومية بهدف تحسين مستوى المعيشة والارتقاء.

ويعد هذا العلم الوحيد الذي يفسر مثلا تقنية توارد الأفكار، وكيفية تفتيح الحاسة السادسة، ومدى تأثير الكواكب والأجسام السماوية في طباع الإنسان وحياته، كما يوضح أسرار الماورائيات في الإنسان وفي الفضاء والطبيعة، وأهم ما يعلمه الإيزوتيريك ـ وفق مجدلاني ـ هو تقوية الفكر وبناء الشخصية القوية المحبة والمحبوبة، إنه «باختصار طريقة حياة كاملة مكتملة تفتح المرء على مداه الإنساني بحكمة الوعي».

وعن توقيع كتبه باختصار «ج.ب.م»، يوضح مجدلاني «هدفي هو إبراز العلم، والبقاء في الظل قدر المستطاع، وإلا لما استطعت تأليف كل تلك الكتب في مدة قصيرة نسبيا، ولدي العديد من المخطوطات، عدا تحضير الدروس والمقالات والمحاضرات الأسبوعية، فوعي الإنسان بحقيقة المعرفة والتبحر في خفاياها والتفاعل معها يجعل من الشهرة أمرا غير مهم، بل يغتنم الفرصة دوما لتقديم المزيد، لأن الوقت هو الشيء الوحيد الذي لا يعوض».

عصر الذبذبة

يصف مجدلاني العصر الحالي بـ«عصر الذرة بكل أشكالها وأنواعها، وعلى الرغم من اتسامه بطابع علمي وتكنولوجي ، لكنه بقي بعيدا عن معرفة باطن الإنسان، أما العصر المقبل فسيكون عصر الذبذبة، المحركة للذرة، والتي ستكشف كل ما خفي عن العلم وفي الذرة أيضا، وستكشفه في الإنسان أولاً، وما العلوم الإلكترونية وصولا إلى الإنترنت والهاتف المتحرك سوى مقدمة أولية لعلوم الذبذبة، والزمن سيشهد على صحة كلامي». موضحا أنه وفي منهجية الإيزوتيريك، ليس هناك معلم في المطلق، ولا تلميذ في المطلق، والجميع في حركة ارتقاء لولبي «جميعنا نساعد ونتساعد، جميعنا نتعلم ونعلم، والمسؤولية تكبر والتطور يتنامى بمقدار العطاء».

ويفسر مجدلاني «الشك السلبي» بـ«الشك الذي لا يؤدي إلى نتيجة، لا بل يبعد المرء عن طريق الصواب، أما الشك الإيجابي فيقوده إلى الإيمان المبصر والواعي، والشك يعد إحدى القدرات الذهنية الحيادية، إذا ما وجه سلبا يكون كالسوسة التي تنخر الخشب ولا تتخلى عنه إلا بعد أن يهترئ كليا، فيما الشك الإيجابي يوصل (بعد التجربة) إلى الإيمان بل إلى اليقين والثقة بالنفس، وهو أن يضع المرء أمامه هدفا محددا ثم يعمل بموجبه مترقبا ما تثبته له الأيام أو التجارب»، مشيرا إلى أن الإيزوتيريك «لا ينقض ولا ينتقد أو يناقض، بل يقدم مسار المعرفة». ويصف مجدلاني علم الإيزوتيريك بأنه «عقيدة المعرفة وإيديولوجيتها، والتحقق في الممارسة، هو الفكر العميق القوي والواسع المستنير الذي يسبر الآفاق، هو مجموعة علوم الإنسان في شموليتها، والحياة في أسرارها، والطبيعة في غوامضها، والفضاء في خفاياه، وكل ما تتعلق معرفته بالإنسان ـ المحور لكل شيء، بهدف توسيع آفاق وعيه وذلك بالتحقق بنفسه»، والطريق إلى الباطن برأيه يحده مدى الميل إلى المعرفة «فبقدر الميل إلى المعرفة بقدر ما تفتح لك المعرفة قلبها».

تأمّل

يشرح مجدلاني التأمل، ويصنفه إلى أنواع «وهو في الإيزوتيريك، سبيل إلى تشييد صرح الإنسان الداخلي، وهو علم ذاتي تطبيقي في حد ذاته، يبدأ بحالة من عدم تركيز، يهدأ معها الفكر ويستفيق الباطن، ولا طريق لاكتشاف الباطن من دونه، ولا يمكن فهم معطيات التأمل وفاعليته دون أن يتبعه التمعن، والأخير هو عملية عقلية وتحليل فكري لما يستشفه المرء في التأمل أو يتوارد إلى خاطره، فالتأمل حالة مشاعر راقية يشعر فيها صاحبها بذبذبات إيجابية تتفاعل في داخله، والتمعن هو تفسير هذه الحالة، وحل (شيفرة) الذبذبات وفاعليتها في الكيان، والتأمل هو توحيد النفس الداخلية مع الشخصية الخارجية، يتبعه التمعن للتنسيق في ما بينهما بطريقة حياة متطابقة، حيث يضفي التأمل على الفكر قوة، وعلى التركيز حدة، وعلى التمعن دقة بذلك يتوسع الوعي ويعمق وتهون السبل الحياتية».

وللحلم ارتباط بالتأمل بحسب المجدلاني «فمع المران المستمر للتأمل والتقدم على صعيد النمو الباطني، تتفتح الخلايا الدماغية، وبفضل التركيز الذهني وما يتبعه، يلاحظ المرء أن أحلامه باتت متسلسلة الوقائع ومنسقة الموضوعات، موضوعية وبعيدة عن الغموض، إلى حد أنها تكشف أحيانا شيئا من معرفة مسبقة، ومع تطور الأجسام الباطنية أو أجهزة الوعي الخفية في الإنسان، تطورت الأحلام وتطور الفهم والاستيعاب والذاكرة، وكذلك الأعمال والسلوكيات».

ويفسر مجدلاني قائلا إن «الذاكرة تلتقط كل ما يشاهده المرء أثناء النوم، وإذا ما كان مستوى وعيه لم يتجاوز المحيط المادي الملموس، فإن الذاكرة تحول ما تلتقطه إلى وعي الباطن، كونه أرقى من وعي الذاكرة، وخلال فترات التأمل قد يسترجع المرء بعض أحلامه، يراها في حالة وعي تام وكأنها أحلام يقظة». بيروت ــ الإمارات اليوم

طباعة