رسائل محمد بن راشد.. حين تتحول الرحلة إلى ضوء ينير دروب الأجيال
في كتاب «الرسائل»، لا يكتب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، كتاباً بالمعنى التقليدي، بقدر ما يفتح نافذة على سنوات طويلة من التجربة، ويترك عبر الكلمات أثراً يشبه حديثاً هادئاً من جيل إلى جيل. هنا، لا تبدو الرسالة مجرد مخاطبة لشخص، بل مساحة للتأمل في الإنسان، والوطن، والعائلة، والعمل، وما تصنعه الأيام في الذاكرة.
26 رسالة تتوزع بين دوائر الحياة المختلفة، إلى الأبناء والأسرة، وإلى رفاق المسيرة وفريق العمل، وإلى أبناء الإمارات والعالم. وبين هذه الرسائل تتشكل صورة أكثر قرباً من صاحب التجربة، حيث لا تتحدث القيادة وحدها، بل يتحدث الأب، والرفيق، والإنسان الذي راكم خلال عقود طويلة من العمل العام تفاصيل كثيرة، وأراد أن يترك منها ما يستحق أن يُقرأ بعده.
لعل جمال «الرسائل» يكمن في طبيعتها، فالرسالة، منذ أن عرف الإنسان الكتابة، كانت دائماً أكثر حميمية من الخطاب، وأكثر قدرة على الاحتفاظ بصوت صاحبها وملامح اللحظة التي كُتبت فيها. ولذلك تبدو صفحات الكتاب كأنها تستعيد زمناً لا ليبقى في الماضي، بل ليواصل حضوره في المستقبل.
إنه كتاب عن الأثر، عن أشياء لا تُقاس بالأرقام ولا بالمناصب، وإنما بما تتركه في نفوس الآخرين.
وحين يكتب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، أن «الوطن أمانة.. والحياة رسالة»، فإنه يختصر فلسفة الكتاب كلها في جملة واحدة: أن قيمة الرحلة لا تكتمل إلا حين تتحول دروسها إلى نور لطريق من يأتي بعدها.
رسالة إلى الأسرة الحاكمة
هذه رسالتي لأبنائي وأحفادي وأقاربي وكل من انتسب إلى أسرة آل مكتوم الكريمة، وحمل اسمها ورسمها.. ومن ارتبط معها بنسب أو قرابة وأصبح جزءاً منها.
حفظكم الله ورعاكم، وسدد على طريق الخير خطاكم. هذه رسالتي لكم، والتي تمليها عليّ مسؤوليتي التاريخية أمام الناس وأمامكم.
أبنائي وبناتي أسرة آل مكتوم.. لقد قدّر الله لهذه الأسرة أن تحمل أمانة الحكم وخدمة دبي لحوالي قرنين من الزمان.. قرنان من العطاء والوفاء للناس.. قرنان من آلاف المواقف والقرارات التي مثّلت الحرص والنزاهة والأمانة وخدمة البشر.. قرنان من الزمان شكّلا سمعة هذه الأسرة وهيبتها، ورسّخا مكانها ومكانتها، وصنعا إرثها ومسيرتها.
أبنائي وبناتي.. أنتم لا تمثّلون أنفسكم فقط، بل تمثّلون هذا الإرث. ولا تحملون مسؤولياتكم فقط، بل مسؤولية هذا الاسم. ولا تعكسون شخصياتكم فقط، بل أنتم مرآة أسرتكم أمام العالم، تعكس هويتها وثقافتها ومكانة شعبها.. فكونوا على قدر هذا العهد وعلى قدر التاريخ وعلى قدر الأسرة.
كونوا سفراء على قدر الرسالة.
أبنائي وبناتي أسرة آل مكتوم.. لستم كغيركم، وليس كل ما يجوز للناس يجوز لكم أو يليق بكم؛ فأنتم محط نظر الأجيال، ومحل متابعة الملايين. أخلاق الوطن تُقرأ من خلالكم، وقيم مجتمعنا يراها الناس في تصرفاتكم، ومبادئ الأسرة عنوانها أنتم، فكونوا دائماً الرقيب على أنفسكم، واحفظوا سمعة ومكانة وهيبة أسرتكم.
أبنائي وبناتي أسرة آل مكتوم.. كونوا أول الملتزمين بقوانين وأنظمة بلادكم، وكونوا أول المجتهدين قبل أن تطلبوا الجهد من غيركم. وكونوا أول المتواضعين قبل أن تطلبوا التقدير ممن حولكم. قد يفتح الاسم لكم أفضل المجالس، ويقف الناس عند دخولكم تقديراً لكم ولأسرتكم، ولكن العظيم منكم من إذا غادر المجلس دعا الناس له وأثنوا عليه بما قدمه لهم، وبما عاملهم به من أخلاق وشهامة.
أبنائي وبناتي أسرة آل مكتوم.. كونوا مع الناس.. اقتربوا منهم، وشاركوهم أفراحهم وأحزانهم، زوروا مرضاهم، وتابعوا احتياجاتهم، واسألوا عن أحوالهم، واحرصوا على أن تكون مجالسكم مفتوحة، ووجوهكم بشوشة، فنحن بالناس وللناس، وما إرثنا إلا محبة الناس.
اجعلوا الصدق منهجكم، والنزاهة طبيعتكم، وخدمة الناس شرفكم، فالتاريخ لن يذكركم بأنسابكم، بل بما قدمتم، وكيف خدمتم، وماذا تركتم وراءكم.
أبنائي وبناتي.. لا تنظروا إلى أقوالكم وأفعالكم فقط.. انظروا إلى من يحيط بكم، ومن يدخل مجالسكم، ومن يقضي وقته معكم.. فمن أصحابكم يقرأكم الناس. فأحسنوا الاختيار، واحذروا المتملقين وساقطي الهمة والعزيمة.
أبنائي وبناتي أسرة آل مكتوم.. ليس كل مكان يليق بكم، وليس كل مجلس يشرفكم حضوره، وليس كل دعوة تستحق أن تُلبّى. اختاروا أين تكونون ومع من تظهرون، وكونوا حراساً يقظين لسمعتكم وسمعة أسرتكم وسمعة وطنكم.
أبنائي وبناتي.. اعلموا أن آلاف الشباب ينظرون إلى ما تنظرون إليه، ويتابعون ما تتابعونه، ويقلدون ما تعجبون به. اعلموا حجم تأثيركم وأثركم. تابعوا أهل العلم والفكر، وأصحاب الإنجاز والأعمال، واقرؤوا ما ينفعكم، فالإنسان شبيه ما يقرأ.
أبنائي وبناتي.. الأسر العريقة الممتدة هي عهد متصل بين من رحلوا ومن هم على العهد باقون ومن سيحملون الراية غداً.. هي عهد متصل بين الأجيال.. فالأمر لا يبدأ وينتهي عندكم، بل هو زمن ممتد منذ قرنين، وسيستمر لقرون قادمة، بإذن الله، وأنتم جزء من هذه السلسلة العظيمة من الرجال والنساء، فكونوا على قدر هذه المسؤولية، جديرين بما بناه الآباء من قيم وسمعة ومكانة، ومؤسسين لما سيرثه الأبناء منكم من وفاء ومسؤولية وشرف.
وفقنا الله وإياكم في خدمة البلاد والعباد، وصيانة عهد من مضى من الأجداد، وحمل أمانة هذه الأسرة تجاه وطننا وشعبنا.
• تابعوا أهل العلم والفكر، وأصحاب الإنجاز والأعمال، واقرؤوا ما ينفعكم، فالإنسان شبيه ما يقرأ.
• لستم كغيركم، وليس كل ما يجوز للناس يجوز لكم أو يليق بكم، فأنتم محط نظر الأجيال، ومحل متابعة الملايين.
• اجعلوا الصدق منهجكم، والنزاهة طبيعتكم، وخدمة الناس شرفكم، فالتاريخ لن يذكركم بأنسابكم، بل بما قدمتم.
رسالة إلى مسؤول
رسالة إلى كل مسؤول نال منصباً، وتولى أمانة أمام الناس.. احذر يا أخي من المنصب، فهو اختبار.
المناصب كاشفة لمعادن الناس.. منهم من علا وارتفع، ومنهم من فشل ووقع.. المناصب كاشفة للضمائر وخفايا النفوس.
المناصب إما صخرة تتحطم عليها القيم والمبادئ، أو صخرة تتحطم عليها الأنانية والكبرياء وحب النفس.
علمتني الحياة أن الناس أمام المناصب نوعان: طالب للمكانة، أو حامل للأمانة.
طالب المكانة يحصي امتيازاته، أما حامل الأمانة فيعدد واجباته.
طالب المكانة يسأل عن صلاحياته وسلطاته، أما حامل الأمانة فيسأل عن تبعات منصبه ومسؤولياته.
طالب المكانة يعشق المنصب والكرسي، أما حامل الأمانة فيعشق الرسالة التي يؤديها والخدمة التي يقدمها.
طالب المكانة يحمله الناس، أما حامل الأمانة فيحمل الناس.
طالب المكانة يرى نفسه محور المؤسسة، وحامل الأمانة يرى نفسه خادماً للمؤسسة.
طالب المكانة عند الخطأ يفتش عن الأعذار، أما حامل الأمانة فيبحث عن الدروس.
طالب المكانة ينسب كل نجاحات المؤسسة إلى نفسه، وحامل الأمانة ينسبها إلى فريقه ومؤسسته.
طالب المكانة يفكر في منجزاته الشخصية، أما حامل الأمانة فيفكر في إنجازات المؤسسة وأثرها الممتد على الناس.
طالب المكانة يخاف من الموظفين الأقوياء، أما حامل الأمانة فيصنعهم ويبحث عنهم ويمكنهم.
طالب المكانة يريد أن يكون الأذكى في المؤسسة، أما حامل الأمانة فيريد مؤسسة مليئة بالأذكياء والمتفوقين.
طالب المكانة همه السمعة والإعلام والانطباعات، وطالب الأمانة همه الأثر والعمل والإنجازات.
وحتى بعد رحيله من المؤسسة، طالب المكانة يترك فراغاً ومؤسسة قابلة للانهيار، وحامل الأمانة يترك بعد رحيله مؤسسة قوية وطريقاً ممهداً للاستمرار.
علمتني الحياة أن أغلب الناس من الصنف الأول ينظرون إلى المنصب كغنيمة، لكن أعظم الناس هم من الصنف الثاني، لأنهم يرونه أمانة ثقيلة.. «إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها».
أخي المسؤول.. الناس والتاريخ لا يقدرون أصحاب النفوذ والقوة، بل يقدرون من استخدم النفوذ والقوة لمنفعة الناس وصناعة التاريخ.
الناس لا يذكرون أصحاب الكراسي، بل يذكرون ويشكرون أصحاب الأثر.
أخي المسؤول.. المنصب ليس شرفاً نمنحه ولا سلطة نوزعها، بل أمانة نحملك إياها، والأمانة يوم القيامة خزي وندامة إلا من أدى حقها.
القيادة شرف.. وشرف المسؤول أن يؤدي أمانته.. ويحملها بيده.. ويضعها في عنقه.
بعض الرجال يكبرون بالمناصب.. وبعض المناصب تكبر بالرجال.
أخي المسؤول.. آلاف القادة والمسؤولين جلسوا على كراسي المناصب.. قليل منهم من ظل ذكره حياً، وأثره مستمراً، ومنفعته باقية. فاسأل نفسك: من أي الفريقين تريد أن تكون: طالب المكانة أم حامل الأمانة؟
وفقكم الله لتأدية الأمانات، وتحمل المسؤوليات، والوفاء بالواجبات.
• أخي المسؤول.. المنصب ليس شرفاً نمنحه، ولا سلطة نوزعها، بل أمانة نحمّلك إياها، والأمانة يوم القيامة خزي وندامة إلا من أدى حقها.
• آلاف القادة والمسؤولين جلسوا على كراسي المناصب.. قليل منهم من ظل ذكره حياً، وأثره مستمراً، ومنفعته باقية.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news