تحوّل استخدامها إلى عادة يومية وتضاعفت في ظل المخاوف من «كورونا»

«مسكنات الألم».. راحة مؤقتة نتائجها خطرة على الصحة

صورة

صداع في الرأس، وآلام في العمود الفقري أو الأسنان وغيرها من الأوجاع المباغتة، تجعل الناس يلجؤون الى أقرب صيدلية لشراء مسكنات الألم، التي تحوّل استخدامها الى عادة حياتية من دون إدراك للمخاطر الصحية الكثيرة التي تترتب على ذلك. وكشفت دراسات علمية عدة مخاطر هذه الأدوية عند تناولها بشكل مزاجي، تبدأ من مشكلات المعدة وتصل حد النزيف، وصولاً الى مشكلات في الكليتين، فيما الأخطر من ذلك أن آثارها قد تصل الى القلب. وأسهم انتشار فيروس «كوفيد-19» في زيادة لجوء الناس الى المسكنات، بسبب تجنبهم زيارة المستشفيات لتفادي العدوى، فكانت الحل الأول والبديل. وأجمع الأطباء الذين تحدثوا لـ«الإمارات اليوم»، على أن الراحة المؤقتة التي تمنحها هذه المسكنات قد تكون نتائجها خطرة على الصحة، مؤكدين وجوب استخدام هذه الأدوية بحرص وتجنب اعتيادها وإدمانها لتفادي كل أضرارها على المدى الطويل.

حماية المعدة

وأكد الأخصائي في أمراض الجهاز الهضمي والكبد، الدكتور أنس القماز، أن أضرار المسكنات على الجهاز الهضمي متعددة، مشيراً الى أن المسكنات تراوح بين الخفيفة والمتوسطة والقوية، والمسكنات التي تصرف في الصيدلية هي المسكنات غير الاستيرودية، والتي تعد أكثر الأدوية استخداماً، اذ تستخدم من قبل 320 مليون شخص حول العالم. ولفت الى أن هذه الأدوية تحمل تأثيرات على الجسم بالكامل والجهاز الهضمي، فهي تترك تأثيرات على الجهاز الهضمي العلوي والسفلي، وتؤدي الى خلل في طبقة الحماية لبطانة الجهاز الهضمي، ما قد يتسبب في نزيف أو جرح في بطانة الجهاز الهضمي سواء العلوي أو السفلي. وأكد القماز أنه مع تناول المسكنات يمكن تناول أدوية الحماية للمعدة، ولكن هذا يعود لنوع وطبيعة المسكن المستخدم، مشيراً الى ان الأشخاص الذين يملكون تاريخاً مرضياً كقرحة المعدة أو حتى من هم فوق 65 عاماً من العمر، إلى جانب من يستخدمون أنواعاً عدة من الأدوية ومنها أدوية تميع القلب، أو من يعانون جرثومة المعدة قد يزيد تأثير الأدوية المسكنة عليهم، فهم أكثر تعرضاً لأضرار المسكنات.

واعتبر القماز أن وجود علامات ومنها الألم الشديد المتواصل وتغير لون البراز الى اللون الأسود، مؤشرات لآثار ذات أهمية طبية توجب الدخول للمستشفى والتأكد من الآثار التي حلت بالمعدة، لافتاً الى أن الأطباء الذين يعرفون بوجود مشكلة في الجهاز الهضمي عند المريض، لا يصفون له المسكنات القوية، ويحاولون استخدام المسكنات الموضعية التي لا تؤذي المعدة او استخدام المسكنات التي لا تؤدي الى الإدمان، وفي حال الاضطرار لاستخدام المسكنات المعروفة يكون هناك عوامل تحدد مقدار الخطورة للدواء.

تدفق الدم

وأشار الاستشاري في المسالك البولية وزراعة الكلى الدكتور حسام القضاه، الى أن المسكنات التي تترك آثارها على الجسم هي غير الاسترودية والتي يتناولها الناس من دون استشارة، علماً أن بعض المسكنات توجد في السوق بأسماء أخرى، ولكنها تكون من التركيبة نفسها، وبالتالي تحمل الأثر نفسه على الكلية والمعدة، فهي تزيد احتمالات تقرحات المعدة. أما الأثر الثاني، فلفت القضاه الى أنه يقع على الكليتين، اذ من الممكن أن يؤدي تناول المسكنات الى تقليل كمية تدفق الدم باتجاه شعيرات الكلية الداخلية، ما يسبب المشكلات في وظائف الكلى وقد تؤدي في الحالات المتقدمة الى فشل كلوي حاد، لافتاً إلى أن الوصول إلى هذه المرحلة من الضرر يختلف من شخص لآخر، فأحياناً تكون الكلية تعاني أعراضاً أو جروحاً بسبب أمراض أخرى، مثل المريض الذي يعاني السكري أو ارتفاعاً بضغط الدم أو الذي يعاني الجفاف، فتدفق الدم باتجاه الكلية يخف مع الجفاف وبالتالي زيادة احتمالية أن يصبح لدى المرء ضرر على وظائف الكلى.

ونوه الدكتور حسام القضاه بأن الضرر في الكليتين يكون بشكل واضح مع من لديهم سكري وعيوب خلقية في الكلى، وأمراض وراثية تؤثر في الكلى أو حصى وأورام تؤثر في الكلية. أما تلافي هذه الأضرار، فيكون بالحذر في التعاطي من المسكنات، خصوصاً الذين يعانون أمراضاً في الكليتين، مؤكداً أهمية قراءة النشرة الخاصة بالأدوية قبل تناولها، وسؤال الطبيب وعدم تناولها من دون أي دليل طبي، فالمسكنات البسيطة، آمنة وليس لها أضرار، كما أنه من الضروري التأكد من رطوبة الجسم العالية لتخفيف أضرارها على الكليتين، مؤكداً أنه يسعى الى تجنيب مرضى الكلى المسكنات القوية.

دراسات مستمرة

الاستشاري في جراحة وأمراض القلب الدكتور أحمد السكر، قال: «إن الارتباط بين مسكنات الألم وأمراض القلب موضوع يخضع للدراسات المستمرة، وفي كل مرة تتبدل فيه الآراء بسبب الاكتشافات الجديدة»، لافتاً الى وجود أنواع من المسكنات لا يمكن تناولها الا في المستشفى، اذ توضع تحت خانة المخدرات، كونها مخدرة ومنها «المورفين» و«الترامادول»، ولكن الأخطر منها هي المسكنات المنتشرة من دون وصفة وتتوافر في الصيدليات. ونوه بأن المسكنات تحمل أضراراً، ولكن تفسير هذا الضرر غير واضح، ولكن في المقابل هناك مسكنات الاسترودية ومنها البروفين والفولتارين، وهي تعمل على زيادة لزوجة الدم، ما يؤدي الى زيادة نسبة الجلطات، كما أنها تؤدي الى فشل الكلية، وأمراض الكلية تؤثر سلباً على القلب. وأكد أن بعض الدراسات بينت أن المسكنات تؤثر بشكل كبير على ارتفاع ضغط الدم، ومن الممكن تقسيمها بحسب الأمان الى فئات، مع التأكيد على أن المسكن الوحيد الآمن هو الاسبرين بجرعة أقل من 325 ملليغراماً، علماً ان الاسبرين بكميات كبيرة قد يتسبب بقرحة أو نزيف في المعدة، فآثاره الجانبية خارج إطار القلب.

ولفت الى أن المرضى الذين حدثت معهم جلطة حديثة تؤدي الى قطع الدم عن عضلة القلب، يعانون ما يشبه الجرح في العضلة، وبالتالي فإن المسكنات تؤدي الى زيادة فترة التئام الجرح. ولفت الى وجود بعض المشكلات التي يمكن من خلالها تفادي المسكنات مع إعطاء أدوية أخرى مساعدة تخفف من حدة الألم أو حل المشكلة، اذ من الضروري حل سبب المشكلة وليس تسكين الوجع. ونصح بضرورة حل المشكلة بدلاً من تناول المسكنات، مشيراً الى أن الشخص الذي لا يحمل أمراضاً في القلب لا يمكن أن تسبب له المسكنات المشكلات الخطرة أو الأضرار التي تم ذكرها، الا في حال كان يعاني الضغط والكوليسترول.

منافع وأضرار

وقال الاستشاري في جراحة العظام والإصابات الرياضية في مستشفى الجامعة بالشارقة، دكتور أحمد عبعوب: «في مجال أمراض المفاصل وجراحة العظام، نستخدم كثيراً مسكنات الآلام والتي نسميها مضادات الالتهاب ومنها البروفين، وهي تحمل الكثير من المنافع والأضرار، فاستخدامها يجب أن يكون بشكل علمي وحكيم، لأن تناولها بشكل مفرط وعلى نحو يومي ومتواصل لشهور عدة، يؤدي إلى التقرحات في المعدة ويسبب اضطراباً في وظائف الكلى والكبد، كما أن من يعانون مشكلات صحية كالسكري تتفاقم لديهم الآثار السلبية». ولفت الدكتور عبعوب الى أن الأسباب التي تدفع الناس للجوء للمسكنات كثيرة، ومنها قلة الوقت لزيارة الطبيب، إضافة الى ان انتشار فيروس كورونا المستجد قد ضاعف من قلة زيارة العيادات، خوفاً من زيارة المستشفى وانتقال أي عدوى، ما يجعلهم يلجؤون الى أي حل، ولهذا ينصح الأطباء بتناول الأدوية هذه عند الضرورة وإنما بشكل متقطع. ونوه عبعوب بأن عدد الحالات المصابة بالفيروس انخفضت كثيراً في الدولة، ولهذا لا يجب الخوف من زيارة الطبيب عند الحاجة، لأنه لا يجب الاعتماد على هذه المسكنات لمدة طويلة، فلا ينصح بتناول المسكنات لوجع الظهر والركب لأكثر من 10 أيام، بينما علاج الالتهابات الوترية تحتاج الى ما يزيد على أسبوعين من العلاج.

المسكنات والنوبات القلبية

ربط العديد من الدراسات بين المسكنات والنوبات القلبية، ومن بينها الدراسة التي كشفت عن وجود علاقة بين تناول جرعات عالية من مسكنات الألم من مضادات الالتهاب غير الستيرويدية، ومنها «إيبوبروفين» والتعرض لنوبات قلبية. وقد اعتمدت الدراسات على الكثير من الأبحاث التي تربط العقاقير بالأمراض القلبية، حيث أكدت الأبحاث أن الأخطار ترتفع مع الأشخاص الذين يتناولون المسكنات لأكثر من 30 يوماً.


أسهم انتشار فيروس كورونا في زيادة لجوء الناس إلى المسكنات، بسبب تجنبهم زيارة المستشفيات.

طباعة