نظراً لظهور عدد من الأزمات

جائحة «كورونا» كشفت حقيقة فقر بريطانيا وانعدام الأمن والمساواة فيها

صورة

بعد الجائحة التي حلت خلال الأشهر الثمانية الماضية، يبدو أن ثمة إجماعاً سياسياً جديداً في طور الظهور، مفاده أن الحكومة البريطانية يجب أن تحكم قبضتها على الدولة وعلى الأزمة التي نواجهها. وهذا يعني أنه ينبغي على رئيس الحكومة بوريس جونسون أن يغير أسلوب إدارته، وبدلاً من أن يكون رئيساً معزولاً للحكومة، يتعين عليه أن يكون رئيسها التنفيذي.

ويحتاج الوزراء إلى اكتشاف الإجراءات الملحة، بدءاً من إعادة افتتاح المدارس، وصولاً الى تأمين صفقة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، أو الاستعداد لعدم التوصل الى اتفاق مع الاتحاد، ومن إعادة تنشيط الاقتصاد المحاصر إلى دعم عشرات الآلاف من الأشخاص الذين سيفقدون وظائفهم عندما ينتهي نظام البقاء في المنازل بسبب «كورونا». وينبغي مواصلة مراقبة وباء «كورونا» من خلال خليط حكيم من الإجراءات الصحية الشخصية، والتباعد الاجتماعي وارتداء الكمامات، واجراء الفحوص، والحجر الصحي، وحالات الإغلاق لفترات قصيرة.

ولكن أياً من هذه الإجراءات يحدد الحجم الحقيقي للمرض الاجتماعي الذي تعانيه الأزمة الوطنية في بريطانيا. وهي لا تشكل استراتيجية من أجل الانتعاش الوطني، أو أنها تقدم رؤية على المدى البعيد لدولتنا. وهي لا تقدم أي إمكانية من أجل الأمل والتجديد، ناهيك عن تقديم وعود برفع مستوى الحياة في الدولة.

والعلم لا يمكن أن يرشد الحكومة من أجل وضع هذه الاستراتيجية، وأي خطة من أجل مستقبل بريطانيا يجب أن تستند الى قيمنا والدروس التي استقيناها من النتائج الإنسانية لهذه الجائحة. وحان الوقت لحكومة جونسون للتوقف عن القول ببساطة «اتبعوا العلم». وهنا لا أقصد أن الوزراء يجب أن يتجاهلوا نصائح العلماء خلال جهودهم لإدارة الوجود المتواصل لفيروس كورونا في مجتمعاتنا، وإنما أقصد أنه يجب أن لا ننتخب العلماء كي يقودوا دولتنا. ونحن ننتخب السياسيين كي يقدموا رؤية سديدة لدولتنا، إضافة إلى خطة عملية من أجل مستقبلنا الجماعي.

وتقول الكاتبة البريطانية إيليف شافاك في مقالتها التي تحمل عنوان «كيف يمكن أن لا تفقد عقلك في زمن الانقسام»، وتتذكر رؤيتها للإشارات في الساحات العامة خلال الجائحة والتي تقول «عندما ينتهي كل ذلك كيف تريد أن يكون العالم مختلفاً؟»، وقالت إننا نعاني وهماً كبيراً حول الورطة التي نعيشها الآن، وتحدثت كيف يشعر الناس الآن بالقلق.

وكيف يمكن أن نجيب عن هذا السؤال؟ في البداية يجب أن نفهم الطبيعة الحقيقية للأزمة التي تواجهنا. وتعاني دولتنا مرضاً سياسياً له أبعاد تاريخية، اذ إن الروابط التي كانت تجمع المجتمعات مع بعضها أصبحت هشة الآن. والثقة التي كنا نشعر بها في الماضي تراجعت الآن بالنسبة للأجيال التي جاءت بعدنا. والمبادئ التي كنا نحملها حول قوتنا الموروثة واستمرارية مؤسساتنا الوطنية ودولة الرعاية، اتضح أنها كانت أوهاماً. لقد كشفت جائحة كورونا حقيقة بريطانيا هذه الأيام، اذ إن هذه الدولة أصبحت تتميز بأنها دولة الفقر وانعدام الأمن والمساواة.

قصص المعاناة

ولحل هذه الأزمة علينا البدء بسماع قصص تجارب أولئك الذين تحملوا وطأة فيروس كورونا، خصوصاً العائلات التي عانت خسارة أحد أحبائها الذين أصيبوا بالمرض وهم يقاومون المرض في الخطوط الأمامية. وكان المرض والموت متركزاً عند كبار السن، الذين يعانون أمراضاً مزمنة، إضافة الى السكان من أصول إفريقية، أو آسيوية ومجتمعات الأقلية العرقية، والذين يعملون في الخدمات العامة للخطوط الأمامية، مثل الرعاية الصحية والاجتماعية، والنقل، وإنتاج الأغذية، وتوزيعها.

وأدى إغلاق المدارس إلى إضافة عبء آخر على الأطفال واليافعين، كما أن ظل الجائحة سبّب أضراراً للنساء والأطفال، الذين عانوا مستويات متصاعدة من العنف المنزلي والمعاملة السيئة في المنزل.

وكلما كان المجتمع أكثر مساواة كان أكثر أمناً، وأكثر سعادة وازدهاراً. ويمكن أن تشكل السياسات التي تؤمن هذه الحاجات الملحة لجميع أفراد المجتمع، أساساً من أجل التعافي الاقتصادي وتعزيز الصمود في وجه الأزمات المستقبلية. وعلينا أن نطالب بدعم الآباء لتحسين مستقبل نمو الأطفال، إضافة إلى دعم المراهقين وصحتهم الذهنية. وعلينا أن نقدم مساعدة قضائية وحماية للأطفال والنساء الذين يعانون العنف المنزلي.

ويجب تحسين ظروف العمل، كما أن العاملين في الصفوف الأمامية يجب أن يتلقوا أجراً يحترم ويعترف بالدور المهم الذي يقومون به لحماية مجتمعاتنا من الانهيار. لقد كان هؤلاء العاملون في الخطوط الأمامية لا يملكون ترف البقاء في المنزل. وأصيب العديد من النساء والرجال الذين يعملون على رعاية مرضى «كورونا»، أو في ظروف مصنع خطر دون الحصول على تعويضات المرض، ولم يكن أمامهم أي خيار سوى العمل في ظروف تعرضهم لخطر كبير للإصابة بالفيروس.

اتفاق جديد

وفي وسط هذه الرؤية سيكون هناك اتفاق جديد يهدف إلى انجاز المساواة الاجتماعية والاقتصادية عبر الأجيال. ولقد كشفت هذه الجائحة عن مدى هشاشة مجتمعنا في النهايات القصوى للطيف العمري. ولقد تجاهلنا بصورة ممنهجة المواطنين كبار السن عن طريق إنكار منحهم الاحترام والحاجات المادية التي يحتاجون اليها، والتي كسبوها خلال فترة عملهم طيلة حياتهم. وأسأنا لأطفالنا عن طريق تسليم مستقبلهم لـ«لوغاريتمات» ميؤوس منها وخاطئة. وعلينا أن نأخذ التعليم على محمل الجد تماماً مثل الرعاية الصحية.

ولقد أمضينا العقود المديدة ونحن نخفض الانفاق على التعليم، ما جعل الكثير من أجيال الأطفال تكافح أمام القليل من الآمال والاحتمالات المتضائلة، ومن المفروض دمج الرعاية الاجتماعية للأطفال ضمن الخدمات الصحية منذ زمن بعيد.

لقد سلبتنا هذه الجائحة الكثير من إنسانيتنا جميعاً. لقد تم وصف آثار جائحة «كورونا» استناداً إلى إحصاء الوفيات، ومعدلات الإصابة، والأنماط الوبائية فقط. وجرى تناسي هؤلاء الأشخاص الذين قتلتهم هذه الجائحة، ولكن من الممكن تذكرهم من خلال رؤية جديدة لدولتنا تضع حياتهم وتضحياتهم في الواجهة.

ولن يتم إنجاز هذه الأولويات بمجرد القيام ببعض التغييرات في أسلوب عمل الحكومة، اذ إنها تتطلب تشخيصاً دقيقاً ليس للأخطاء التي تم ارتكابها خلال مواجهة الجائحة فقط (وهذا سيأتي لاحقاً)، وإنما عن طريق تحديد من تحمل أكثر الأضرار، ونحن لا نحتاج إلى تحقيق عام لنعرف من الذي تحمل أشد صعوبات «كورونا».

وبالطبع سيكون هناك نقاش سياسي قوي، بشأن السياسات الرامية إلى تعزيز رفاهية ورعاية مجتمعاتنا الضعيفة، ولكن هذه النقاشات يجب أن تجري من أجل التوصل إلى خطة متماسكة ومتفائلة ومن أجل التجديد الوطني. وبالطبع فإن «كورونا» ليس قدرنا، إنه الوقت الملازم للنظر إلى ما هو أبعد من هذه الجائحة المرعبة، باتجاه مستقبل أكثر تفاؤلاً.

ريتشارد هورتون طبيب ومحرر في مجلة «لانسيت» العلمية


- أي خطة من أجل مستقبل بريطانيا يجب أن تستند إلى قيمنا والدروس التي استقيناها من النتائج الإنسانية لجائحة «كورونا».

- لحل الأزمة التي تواجهها بريطانيا علينا البدء

بسماع قصص تجارب أولئك الذين تحملوا وطأة فيروس «كورونا»، خصوصاً العائلات التي عانت خسارة أحد أحبائها الذين أصيبوا بالمرض وهم يقاومونه في الخطوط الأمامية.

- تعاني بريطانيا مرضاً سياسياً له أبعاد تاريخية،

إذ إن الروابط التي كانت تجمع المجتمعات

ببعضها أصبحت هشة الآن، والثقة التي كنا نشعر

بها في الماضي تراجعت الآن بالنسبة للأجيال التي

جاءت بعدنا، والمبادئ التي كنا نحملها حول قوتنا الموروثة واستمرارية مؤسساتنا الوطنية ودولة الرعاية اتضح أنها كانت أوهاماً.

طباعة