المنطقة «سي» تحت السيادة الإسرائيلية من الناحية العملية

الناخبون الإسرائيليون يعتبرون وعد نتنياهو بضم غور الأردن مجرد فكرة وحيـلة انتخابية

صورة

قبل سبعة أيام من الانتخابات الإسرائيلية كشف رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو عن وعود حملته الانتخابية التي قال فيها إنه سيضم غور الأردن في الضفة الغربية، وهي قطعة كبيرة من الأراضي الفلسطينية. وقال نتنياهو في مؤتمر صحافي مفاجئ في 10 سبتمبر: «أعلن اليوم عن نيتي في حال شكلت الحكومة المقبلة أن أفرض السيادة الإسرائيلية على غور أو وادي الأردن في شمال البحر الميت. وهذه ستكون الخطوة الأولى إذا نلت ثقتكم». وأضاف «هذه هي الحدود الشرقية لدولة إسرائيل. هذا هو حزامنا الأمني الحيوي، إنه جدار دفاعي يضمن أننا لن نكون دولة عبارة عن بضعة كيلومترات».

وانتقد الناخبون الإسرائيليين من شتى ألوان الطيف السياسي هذا الاقتراح باعتباره مجرد فكرة، وقال المواطن الفلسطيني الذي يقطن في هذه المنطقة حسن معمر لمجلة «ناشيونال إنترست» إنه لم يسمع مطلقاً بالاقتراح الإسرائيلي. وأضاف «ليس هناك أي شيء جديد»، ولكن السلطة الفلسطينية حذرت من أن تصرفات نتنياهو يمكن أن تقوض أي اتفاق سلام إسرائيلي فلسطيني.

واستولت إسرائيل على هذه الأراضي من الأردن في حرب عام 1967، ما أدى إلى توقف انتفاضة الفلسطينيين التي استمرت لعقود عدة من الزمن، ولكن اتفاقات أوسلو التي تمت عام 1993 سمحت بحكم شبه ذاتي للسلطة الفلسطينية كي تحكم المدن والبلدات ذات الأغلبية الفلسطينية في المناطق المحتلة، لكن الجيش الإسرائيلي احتفظ بالمنطقة «سي»، وهي منطقة ريفية استوطنها مئات الآلاف من المستوطنين الإسرائيليين. ويهدف اقتراح نتنياهو الى الاستيلاء على مستوطنات المنطقة «سي» في غور الأردن. وأوضح أن مدينة الخليل ذات الأغلبية الفلسطينية ستظل تحت حكم السلطة الفلسطينية، ولن يتم ضم أي فلسطيني واحد مع الأرض التي سيتم ضمها، «ولكن ضم غور أو وادي الأردن إلى إسرائيل سيحرم السلطة الفلسطينية من المناطق الحدودية الوحيدة التي تملكها».

وقال كبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات: «يجب على المجتمع الدولي أن يعمل الآن على منع نتنياهو وحلفاؤه من دفن الملامح المتبقية لعملية السلام والدولة الفلسطينية القابلة للحياة». وأضاف «تمثل خطة إسرائيل في ضم وادي الأردن جزءاً لا يتجزأ من الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهو عمل غير شرعي يضاف إلى تاريخ إسرائيل الطويل في انتهاكات القانون الدولي».

ونشرت السفارة الأردنية في الولايات المتحدة تغريدة على لسان وزير خارجية الأردن أيمن الصفدي، قال فيها «جامعة الدول العربية تدين بالإجماع إعلان نتنياهو أنه سيضم مستوطنات ووادي الأردن في الضفة الغربية المحتلة، بحيث إنه يقتل جميع فرص السلام، وذلك من أجل أهداف انتخابية، وهي خطوة غير مسؤولة وخطرة، ويجب على المجتمع الدولي أن يعلن صراحة أنه يرفض مثل هذه المحاولات العبثية لتكريس الاحتلال».

وأدت خطوة نتنياهو إلى تعقيد محاولات الرئيس الأميركي دونالد ترامب للتوسط من أجل اتفاق سلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وهو الأمر الذي تم تأجيله الآن نتيجة استقالة المبعوث الرئاسي جاسون غرينبلات. وقال مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية لمجلة «ناشيونال إنترست»: «ليس هناك أي تغير في سياسة الولايات المتحدة في الوقت الحاضر، وسنطرح وجهة نظرنا عن السلام بعد الانتخابات الإسرائيلية، وسنعمل على تحديد أفضل الطرق لجلب الأمن والفرص والاستقرار للمنطقة التي تحتاج هذا المطلب منذ زمن بعيد».

ويعتقد الناخبون الإسرائيليون أن الاقتراح ليس مهماً لأنه ليس من المرجح تنفيذه. وقال الصحافي الذي مقره القدس المحتلة سام سوكول لـ«ناشيونال إنترست»: «حتى لغة نتنياهو أظهرت أنها حيلة، ومع ذلك فإني أعتقد انه من الصعب بالنسبة له تنفيذ ما ذكره».

ووصف المدير التنفيذي لمركز «المجتمع المشترك في جعفات هافيفا» محمد درويش وهو معهد غير ربحي يهدف إلى التعايش بين الإسرائيليين والفلسطينيين، حملة نتنياهو الانتخابية بالبيع عن طريق التصفية، وقال «إنه مستعد لتقديم أي تخفيضات وتنازلات سخيفة». وأضاف محمد الذي كان المدير السابق للقائمة العربية الموحدة التي تمثل المواطنين الفلسطينيين في الكنيست الإسرائيلي: «ليس هناك حاجة لأخذ هذا الاقتراح على محمل الجد في هذه المرحلة».

وأوضحت الأكاديمية إليزابيث تسوركوف من معهد أبحاث فورين بوليسي أن «منافساته الرئيسة تتم مع اليمين، ولهذا فإنه يحاول أن يظهر للناخبين المحتملين أنه يستطيع أن يحقق لهم ما يريدون».

وخاض نتنياهو منافسة مريرة مع منافسه اليميني المتطرف إيليت شاكد. وفي الأسبوع الماضي استبق شاكد ذهاب نتنياهو إلى إحياء ذكرى «مذبحة لليهود» عام 1929 في مدينة الخليل الفلسطينية، وتحداه أن يستولي على ممتلكات كانت مملوكة لليهود من «محافظ المدينة الفلسطيني». وقالت المتحدثة الخارجية باسم حزب نتنياهو الليكود راشيل برويلد في الرد على سؤال من «ناشيونال إنترست»: «إن تطبيق السيادة الإسرائيلية على وادي الأردن مسألة حساسة بالنسبة للعمق الاستراتيجي، والأمن الإسرائيلي. والطريقة الوحيدة التي يستطيع من خلالها حزب الليكود القيام بذلك تتمثل في أننا حصلنا على التفويض لتشكيل ائتلاف حكومي. وأقول لجميع الذين يريدون حكومة يمينية أن يصوتوا لحزب الليكود».

وقال الإسرائيلي نداف نيومان الذي ترعرع في المنطقة سي ويخطط لانتخاب الأحزاب اليمينية: «كوني متديناً لدي يقين وأعتقد أن الأراضي الإسرائيلية وجميع الأراضي التي تعطى للشعب اليهودي يجب أن تتم السيطرة عليها من قبل اليهود، ويجب أن تكون جزءاً من إسرائيل. وأعتقد أن أي شخص يعيش هناك سواء كان يهودياً أو مسلماً أو مسيحياً يجب أن يعطى الحقوق ذاتها، إضافة إلى الواجبات ذاتها أيضاً طالما أنهم مواطنون متعاونون وجزء من الدولة».

ولكن الإعلان عن ضم وادي الأردن في وقت قريب جداً من يوم الانتخابات ربما لا يقنع الناخبين أنصار الضم بأن نتنياهو جدي في تنفيذ أهدافهم. وقال نيومان الذي يعيش الآن في القدس المحتلة لـ«ناشيونال إنترست»: «السياسة هي السياسة. وبصراحة تامة فإن المسألة ليست بهذه السهولة أن يقول لنا نتنياهو إني سأجعل هذه المنطقة جزءاً من إسرائيل. وأعتقد أنه يعرف أنه إذا لم يكن قادراً على إنشاء حكومة ثابتة ولا تنهار في غضون بضعة أسابيع أو شهر، فإن عليه أن يقوم بأمر يثير إعجاب الشعب الإسرائيلي».

ماتيو بيتي مراسل الأمن الوطني في «ناشيونال إنترست»


خطة نتنياهو تستهدف أيضاً الرئيس الفلسطيني

تستهدف خطة نتنياهو أيضاً الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي أمر السلطة الفلسطينية الأسبوع الماضي بتشجيع البناء الفلسطيني غير المرخص به في المنطقة «سي». وقال معمر الذي يعيش في قرية باتير خارج مدينة بيت لحم «شهدنا زيادة في وجود الاستيطان بمنطقتنا بعد تصريحات محمود عباس بما فيها من المنطقة «سي» التي كانت لاتزال تحت سيطرة الفلسطينيين»، وادعى أن مجموعة من الإسرائيليين بدأوا أخيراً العمل في البناء خارج قريته، وهي جزء من المنطقة «سي». وأضاف «بدأت الحديث مع أحد هؤلاء المستوطنين هناك وقالوا إنهم يريدون زراعة أشجار الزيتون». وقال معمر إن مزرعة أشجار الزيتون الجديدة تمت على ارض تملكها عائلة قيصيا.

وفي 26 أغسطس قامت عربات الجيش الإسرائيلي بتدمير منزل مجاور ومطعم تعود ملكيتهما إلى عائلة محلية تدعى عائلة قيصيا. وأصر منسق النشاطات الحكومية في الأراضي الفلسطينية، وهي الوحيدة العسكرية التي تدير المنطقة «سي»، على أن المباني تم تشييدها دون رخص. وخاضت عائلة قيصيا معركة قضائية مع مجموعة من الإسرائيليين الذين يدعون أنهم اشتروا تلك الأرض عام 1969.

وقال معمر إن النزاع على الأرض لفت انتباه جميع المجتمع المسيحي الفلسطيني بما فيه زيارة المطران ثيوديوس عطالله حنا بطريرك الأغريق الأرثوذوكس في القدس. وفي تسجيل فيديو يصور عملية تدمير المنزل ظهر فيه من عائلة قيصيا شخص يحتج ويصرخ مطالباً بـ«حماية الأرض». وقالت عائلة قيصيا في تصريح في الثالث من سبتمبر على صفحة العائلة في موقع «فيس بوك»: «سنقاوم هذا الاحتلال على كل مستويات المحاكم في إسرائيل، وسنكسب جولة بعد جولة حتى يصبحوا غير قادرين على مواجهتنا قضائياً».

واختتم معمرقائلاً إنه من الناحية العملية فإن المنطقة «سي» أصبحت الآن «تحت السيادة الإسرائيلية». وأضاف «ربما سيكون هناك أنظمة قانونية إضافية جديدة، بحيث يمكن أن نفقد القدرة على الدخول إلى ما تبقى من هذه المنطقة، ولكن الوضع الآن تحت السيطرة الإسرائيلية».

طباعة