5 دقائق

اليوم العالمي للتسامح

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

جميل جداً أن ينشد العالم كله التسامح بين بني الإنسان؛ ليعيش الإنسان كل الإنسان سعيداً مع أخيه الإنسان، أيّاً كان وفي أيِّ مكان كان، والأجمل أن تكون دولة الإمارات العربية المتحدة من أولى الدول التي تُعنى بهذا اليوم، وتجعله إحدى ركائز نهضتها منذ أن أقامها المؤسس الشيخ زايد، طيب الله ثراه، الذي كان يرى التسامح بين الناس أساساً للتعايش، وأساساً لبناء الحضارات، وسار على نهجه أبناؤه البررة حتى أنشأوا وزارةً خاصة بهذا المبدأ العظيم، وجعلوا عليها رجلاً يُعد رمزاً للتسامح العالمي؛ إنه الرجل السمح الخَلْق والخليقة، الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان، وكما قال صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد، حفظه الله تعالى، بهذه المناسبة: «يبقى ترسيخ قيم التسامح وثقافته لدى المجتمعات والشعوب ضرورة مُلِحة، والسبيل الأمثل لتجاوز التحديات المشتركة التي يشهدها العالم.. وفي اليوم العالمي للتسامح؛ نؤكد مواصلة دولة الإمارات نهجها الداعم لتعزيز أسس التعايش والسلام لتحقيق مستقبل أفضل للبشرية جمعاء».

- الدين الإسلامي دين سماحة وتسامح وتعايش وتآلف.

وهذا المبدأ قد سبق إليه الإسلام وأراده من جميع الأنام، وجعله أصلاً من أصول التعايش وعمارة الأرض التي سخرها الله تعالى للإنسان، كما قال جل شأنه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا}، فهو يخاطب الناس جميعاً بهذا الخطاب، ليذكرهم بأصل خِلقتهم ويعرِّفهم بآصِرة القرابة الإنسانية، التي تقتضي أن يعرف كلُّ فردٍ حق أخيه الإنسان، ولم يكتف بذلك حتى بين لهم مراد الخالق منهم، من أنه التعارف الذي يُفضي إلى التآلف ثم التعاون المشترك على ما تحتاج إليه البشرية من مصالح، حتى يعمر الكون الذي استعمره ابن آدم، إذ لا تتم عمارته إلا بهذا التعارف والتآلف والتسامح، فالتسامح إذاً منهج الإسلام الذي هو شريعة الله تعالى الخالدة في الأرض.

فإذا قامت الأمم المتحدة بتخصيص 16 من نوفمبر من كل عام يوماً للتسامح العالمي، فإنها تكون قد وُفِّقت للمنهج الإسلامي الذي تنشده الفطرة الإنسانية، وقد بعث الله تعالى نبي الإسلام وهادي الأنام لإحياء هذا المراد الإلهي من الخلق، فبعثه رحمة للعالمين، فكانت بعثته رحمة لهداية الناس حتى لا تبقى البشرية على الضلالة، وبعثه رحمة لنشر مكارم الأخلاق التي يتعايش بها البشر بالسماحة والوفاء والكرم والتعاون على الخير، وعلى دفع الشر والضر، وبعثه نعمةً ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، ويزكي الأمم بالفضائل والمحاسن، لذلك كان يفيض تسامحاً مع كل أصناف البشر، الولي منهم والعدو، والقريب والبعيد، فكان لا يجزي بالسيئة سيئةً ولكن يعفو ويصفح، وكان لا يغضب لنفسه إلا أن تنهتك محارم الله، فإذا غضب لله لم يقم لغضبه أحد، وكان يدعو أمته لهذا المنهج في جميع الأحوال، فقد شهد عليه الصلاة والسلام لمن يكون متسامحاً مع غيره أنه من أهل الجنة، كما قال في شأن سعد بن مالك، رضي الله عنه، فيما رواه ابن عمر، رضي الله عنهما، قال: كنا جلوساً عند رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: «ليطلعن عليكم رجل من هذا الباب من أهل الجنة»، فجاءه سعد بن مالك، فدخل منه، ثم بين سعد، رضي الله عنه، أنه ليس عنده كثير عمل إلا أنه إذا أخذ مضجعه لا يكون في قلبه على أحد، وفي رواية: «آخذ مضجعي، وليس في قلبي غم على أحد من المسلمين» قال ابن عمر: «بهذه بلغت بها».

بل إن النبي، عليه الصلاة والسلام، قد حذر من لم يكن متسامحاً مع غيره، أن الله تعالى لا ينظر إلى عمله يوم أن تعرض عليه أعمال العباد كل اثنين وخميس، ولا يغفر له يوم أن يتفضل بمغفرته على جميع خلقه ليلة النصف من شعبان، وكم دعا عليه الصلاة والسلام لمن تكون السماحة خلقه وديدنه في جميع أحواله فقال: «رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى».

وهكذا نعرف أن الدين الإسلامي دين سماحة وتسامح وتعايش وتآلف، ونحن المسلمين أولى الناس بهذا المبدأ العظيم، تحلياً به وإشادةً به ودعوة إليه؛ لأننا نفعله من مبدأ التدين وطلباً لعظيم الأجر.

«كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

طباعة