الوهلة الأولى.. خادعة

زهرة حمد

للوهلة الأولى، تبدو جائحة كورونا وتداعياتها، التي طالت حياتنا وتفاصيلها الدقيقة بشيء من التغيير، بأنها سلبية، لكن علينا أن لا ننخدع، ففي نهاية كل نفق مظلم نور يمنح الأمل والتفاؤل، نعم فيروس كورونا رغم انعكاساته السلبية الآنية على مفاصل وقطاعات الدولة، إلا أنه أشبه ما يكون بمرحلة من مراحل التقييم الإداري، لقياس أثر أي مشروع يخضع للمراجعة والتدقيق، لمعرفة مدى جدواه، ومكامن قوته وضعفه وماهية التغييرات والتعديلات الواجب اتباعها، لإعادة بث الحيوية فيه.

والملاحظ، أنه على خط متواز، أثبتت جميع مؤسسات الدولة على تنوعها واختلاف أنشطتها مرونة وحيوية وقدرات مميزة في التعامل مع هذه الجائحة التي ضربت بأطنابها دورة الحياة اليومية، ومرد هذا النجاح في التعامل مع الواقع الصحي الجديد، منهجية وطنية راسخة تعتمد على التخطيط الاستراتيجي المسبق، واستشراف المستقبل. 

إن مقاييس، وأدوات العصر تغيرت، بتغير وتيرة التسارع التكنولوجي ومتطلبات الثورة الصناعية الرابعة، ودواعي التنمية المعرفية والاقتصادية المستدامتين، وهذا بالضرورة ما شكل محركا للوطن، وقيادته الرشيدة في ضرورة امتلاك هذه الممكنات، لتستمر عجلة النهضة والتقدم، فكان ثمرة ذلك أن أصبحت مؤسسات الدولة على قدر عال من الجهوزية، وسرعة الاستجابة لهذا الطارئ، وفي الوقت ذاته أحيا كورونا فرص المراجعة واستدراك الثغرات والنواقص ومتطلبات المرحلة والمستقبل، للعمل على تعزيزها في كل مؤسسة وهيئة وقطاع. 

ولعل، أكثر تجربة مؤسسية ملفتة وتدرس، وتستحق التمعن والإشادة، تلك المرتبطة بالمؤسسة التربوية، كيف لا وهي التي قدمت أنموذجا تعليميا استباقيا -التعلم الذكي- على مستوى المنطقة، راسخ الأبعاد والقواعد ومتكافىء الأركان، ومنضبط تقنيا ومضمونا ومخرجات، ليكون بذلك محل احترام المجتمعات الأخرى، وقصة نجاح تتناقلها شاشات التلفزة ومحطات الأخبار وأقلام الصحافة الدولية قبل المحلية. 


بكل تأكيد، ما انبثق عن المنظومة التعليمية في الدولة من عمل، يثلج الصدر، نظرا للاستجابة السريعة لهذا القطاع الحساس والمهم الذي كان على قدر عالٍ من السرعة والمسؤولية والانضباط، فقد شرعت وزارة التربية والتعليم منذ اللحظة الأولى إلى إعتماد التعلم عن بُعد بديلا استراتيجيا للتعليم المباشر، حتى يبقى الطالب منغمسا في مهمته النبيلة، ومتابعا بخطوات حثيثة نحو التعلم، من أجل تحقيق رؤية الوزارة في تعليم ابتكاري لمجتمع معرفي ريادي.

الريادة في الانجاز، تتطلب تخطيطا مسبقا، وعملا مضنٍ، وفكراً استباقياً يستشرف المستقبل مستنداً إلى خطة تقدير المخاطر، ومنطلقا إلى ما هو أبعد في منظومة عمل دقيق وحقيقي، وهذا فكر تأسس في وزارة التربية والتعليم منذ سنوات، وأصبح إطار عمل شمولي وتكاملي.

ولهذا كله، كان علينا - نحن التربويين - مسؤولية تقليص أثر الجائحة على عملنا في حدوده الدنيا، وقد ساعدت على تحقيق هذا الهدف جملة من الخطوات الاستباقية الرائدة؛ مثل تدريب المعلمين في مجتمعات التعلم المهني الأسبوعية، والتدريب التخصصي بداية كل فصل دراسي جديد، فضلا عن البنية التقنية القوية والمتماسكة التي هيّأت للإنتقال السلس إلى التعلم المتزامن وغير المتزامن عن بُعد، والتي وفرها مشروع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم للتعلم الذكي.

ولابد من الإشارة، أيضا إلى مجموعة التطبيقات المتنوعة التي اعتمدتها وزارة التربية والتعليم، لتسهيل ديمومة المهمة التربوية وتيسيرها لكل من المعلم والطالب، بجانب توفر المناهج المدرسية عبر تطبيق الديوان والتي يمكن تحميلها وعمل المعالجات الدرسية لها الكترونيا، كذلك تطبيق (سويفت أسس) الذي يوفر اختبارات وتدريبات مختلفة تساند وتدعم التعلم وتقيس الأثر وبرنامج التميز الذي يوفر اللقاءات الدرسية والاجتماعات التفاعلية، لتجويد وتطوير الأداء، بالإضافة إلى بوابة التعلم الذكي والمنصات الرقمية، وغيرها الكثير من الحلول التعليمية، مما يعمل عليه الاختصاصيون في منظومتها التعليمية الرائدة والمتميزة.

وحتى لاننسى الفضل بيننا، فقد كان لدور الأسرة الإماراتية الواحدة - مواطنين ومقيمين - بالغ الأثر في دعم جهود الميدان التربوي، خاصة أن الأسرة شريك أساسي داعم في عملية التعلم والتعليم، فإذا كانت المدرسة تعلم المعارف والمهارات والاتجاهات، فإن الأسرة تقاسم المدرسة مسؤولياتها الوطنية تجاه الطلاب؛ فهي الشريك الاستراتيجي في تعليم الاتجاهات الوطنية، وزيادة الدافعية، وتقوية الشعور بالمسؤولية، استجابة لنداء الوطن في هذا الظرف الاستثنائي.

العطاء والمسؤولية هما ديدننا، فمن قادتنا نستمد العزم والقوة في العطاء، وأجزم أننا جميعا سعدنا بالرسائل المتبادلة والتي تثير الفخر بين سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي رعاه الله، وأخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبو ظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، والتي يغلب عليها الدافعية والحافزية وتقدير الجهود والشكر على العمل والتفاني في سبيل هذا الوطن، لنستخلص منها دروس التفاؤل والتعاضد والتعاون.

ونحن في هذا الوطن، وفي ظل هذه الظروف الاستثنائية، نستشعر أهمية توحيد طاقاتنا وتكاتفنا، فكلنا جنود أوفياء ورهن الإشارة، ومستمرون في العطاء، وفي التفاؤل والتعاون والتعاضد، حتى تشرق شمس الصحة والعافية من جديد على وطننا المعطاء.

الوهلة الأولى في أحايين كثيرة، ما تنم عن انطباع خادع، ولكن تحمل في جعبتها كثيرا من الدروس والفوائد الغائبة عن عقولنا ومداركنا، وما علينا إلا أن ننظر بروية إلى الجانب المشرق الذي نتج عن هذا الواقع الصحي الاستثنائي، وكيف لنا أن نحوله إلى إيجابيات، وأداة للنصر، ونتعاطى معه كما تتعامل دولتنا دائما مع كل تحد أو عائق بالحكمة وفن الإدارة، واستنباط أفضل الحلول، لتتضاءل الخسائر وتزداد فرص النجاح، وقتها سندرك أننا أقوى. 

مدير نطاق قطاع العمليات المدرسية

طباعة