5 دقائق

لا أعرف

عبدالله القمزي

يميل الكثير منا إلى إعطاء أجوبة سريعة مقتضبة، كعلامة ثقة بالنفس وكفاءة على أي سؤال يوجه إليه، المهم أن يتجنب كلمة لا أعرف حتى لا يظهر جاهلاً بأمر ما، ويتجنب إظهار أي نقص في المعرفة بأي ثمن.

في وظيفة سابقة.. كان مدير الإدارة يستدعيني إلى مكتبه ليشرح لي رؤيته، وعندما أسأله عن التنفيذ، يقول لا أعرف ولا أفهم في عملك. أنت نفذ بطريقتك، المهم تحقيق النتائج المذكورة. وبعد دورة تدريبية سألت المحاضر سؤالاً خارج موضوع التدريب، فصمت برهة، ثم قال: لا أعرف.

وفي المقابلات التلفزيونية، تنصح بعض القنوات ضيوفها بألا يقولوا لا أعرف، واستخدام أساليب أكثر دبلوماسية، كأن يقول الضيف: لا توجد إجابة واضحة لدى الأطراف المتحاربة، ولكن...أو يقول: من الصعب الإجابة عن هذا السؤال، لأنه ليس هناك سيناريو واضح للأزمة الراهنة، لكن المتوقع هو أن تبادر الولايات المتحدة إلى تهدئة الأوضاع في سورية.. إلى آخره.

كما نرى أن الضيف المفترض تجنب كلمة لا أعرف، حتى لا تظهر معرفته ناقصة، أو ربما بطلب من القناة، لكنه أعطانا أنصاف حقائق، وأنصاف آراء على أنها مسلمات.

القائد لا يمتلك بالضرورة إجابات عن كل الأسئلة، لذا نجد في المؤتمرات الصحافية مدير دائرة مثلاً، يحيل أسئلة الصحافة إلى مدير إدارة، ويقول إن فلاناً ملم بهذه التفاصيل أكثر مني. السؤال: هل انتقص ذلك شيئاً من هذا القائد، عندما أحال السؤال إلى شخص يعمل لديه؟!

هذا النوع من القادة تجده يشرك الجميع في النقاش ويأخذ بأفكارهم، ما يعزز الثقة بين أعضاء الفريق، ويحسن عملية صنع القرار. فما بالك بذلك الموظف الذي ليس هناك شيء لا يعرفه، ويخلط الحقائق بالآراء، لأنه يؤمن بآرائه على أنها حقائق.

وعندما يصدق الناس، ولا يحاولون حتى اكتشاف الجواب، فإن تلك الآراء تتحول إلى خرافات بمرور الوقت. لسنا ضد إبداء الرأي لكن على أصحاب الآراء توضيح أنها ليست حقائق مهما كانوا على ثقة بآرائهم، وبالتالي منح الآخرين فرصة للمشاركة بآرائهم، خصوصاً لو اختلفت مع رأي الشخص الذي ينكر عدم معرفته.

الحصول على المعلومة بات، اليوم، سهلاً جداً بوجود «غوغل» بين أيدينا، الرغبة في إبراز معرفتنا للجميع تقوى عندما يكون السؤال في مناطق القوة أو الاختصاص، وهنا تحديداً يصعب اعتراف أي شخص بأنه لا يعرف. نعم، المعرفة مهمة لكن المبالغة في إبراز معرفتنا بكل الإجابات للجميع تحد بشدة من رغبة الفضول لدى الشخص وتقوض الرغبة في التعلم.

بالعربي: سئل المخرج الأميركي الشهير جون مكتيرنان، في مقابلة، عن رأيه في أداء الممثلين بروس ويليس ونظيره جيريمي آيرنز، في فيلم «داي هارد 3»، فقال: لا أعرف شيئاً عن التمثيل ولا أفهم فيه، أنا مخرج لقطات أكشن!

هل انتقصت كلمة لا أعرف من مكتيرنان لو عرفنا أن فيلمي داي هارد 1 و3، اللذين أخرجهما، هما الأنجح في السلسلة؟!

كان مدير الإدارة يستدعيني إلى مكتبه ليشرح لي رؤيته، وعندما أسأله عن التنفيذ، يقول: لا أعرف ولا أفهم في عملك!

Abdulla.AlQamzi@emaratalyoum.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

 

طباعة