ضمان حق «الجنين»..

سامي الريامي

أثار حكم محكمة المرور في دبي، الذي قضى بإلزام أم دفع الدية الشرعية (20 ألف درهم)، بعدما ثبت عليها تسببها في وفاة جنينها إثر حادث مروري؛ جدلاً واسعاً في المجتمع، خصوصاً أنه الحكم الأول من نوعه،

وحازت الأم تعاطفاً واسعاً من قبل شريحة كبيرة من الناس لسبب واحد، كونها كانت حاملاً في شهرها التاسع، ولم يتبق لها على رؤية جنينها سوى أربعة أيام، وبالتالي فإن فاجعتها بموت الجنين كانت في حد ذاتها عقوبة أشد إيلاماً بكثير من مبلغ الدية الشرعية، كما أن الغريب في الموضوع، وهو ما أثار اندهاش الكثيرين، مسألة توزيع الدية الشرعية على الورثة، الذين هم عملياً الزوج والزوجة!

الحكم في ظاهره غير منطقي، ولا يمكن استيعاب الهدف منه، لكنه في الواقع مهم جداً، وهو سابقة ستُبنى عليها أحكام كثيرة في المستقبل، وهذا ما يضاعف أهميته، وأعتقد أن الهدف من الحكم هو الحفاظ على حق «الأجنة» في الحياة، وتترتب عليه معاقبة كل من يسلبهم هذا الحق، سواء كان ذلك بطريق العمد أو الخطأ.

ربما التبس هذا الهدف على الكثيرين، ولم تتضح الحكمة من الحكم بسبب اختلاط الجاني والمجني عليه، أي لأن الأم هي المتسببة في وفاة الجنين، ولكن كيف ستكون الحال لو أن المتسبب في قتل الجنين سائق آخر؟

حسب القوانين الموجودة فإن الدية الشرعية محددة بمبلغ ثابت، لكنها للأحياء على الأرض فقط، بينما غابت قصة الجنين المكتمل النمو، الذي يعيش حياة شبه كاملة في بطن أمه، من حق الدية، فلا يوجد في القانون أي مادة تفرض الدية الشرعية على من يتسبب في قتل هذا الجنين، وبالتالي فإن الحكم الجديد بفرض الدية على الجاني هو سابقة ضمنت بها محكمة المرور حق الأجنة الباقين كلهم في معاملتهم معاملة الأحياء، ومعاقبة من يتسبب في قتلهم خطأً، بالسجن ودفع الدية الشرعية التي حددت وفقاً لتقديرات القاضي بـ20 ألف درهم.

ولا فرق هنا في هذه الحالة، إن كان الجاني طرفاً ثالثاً أجنبياً، أو كان أحد أفراد أسرة الجنين، بل القانون يجب أن يطبق حتى وإن كانت المتسببة في قتل الجنين بالخطأ أمه، وهذا ما حاولت محكمة المرور إقراره وإثباته وتطبيقه، ليكون سابقة قانونية تطبّق على الجميع.

والمسألة شبيهة تماماً بمن يمارس أي نوع من التعذيب علي أي من أولاده، فالقانون لا يعطي الحق للأم أو الأب في التعرض بالأذى لسلامة جسد الأبناء، بل من الممكن الحكم بالسجن على أي منهما، لو وصلت مسألة التربية إلى حدود التعذيب والأذى، وقصة والد الطفلة نوف ليست ببعيدة، فالمحكمة في أبوظبي حكمت عليه بالسجن 10 سنوات لأنه كان على علم بتعرض ابنته ذات التسعة أعوام لتعذيب قاسٍ على يد زوجته من دون أن يتدخل أو يعارض ذلك، بل كان يطالب القاضي بكل برود بإنهاء المحاكمة بسرعة لأن «عنده دوام»!

reyami@emaratalyoum.com

طباعة