تحولات أعمق مما نظن

يوسف ضمرة

في برنامج وثائقي يتناول الثائر الأممي غيفارا، استبطان غير مقصود لحال الأمة العربية، ومدى التحولات الثقافية التي أصابتها منذ ثلاثة عقود تقريباً. فليست مصادفة أن تنتشر صور غيفارا على قمصان الشباب وهواتفهم وسياراتهم، ولكنها أيضاً ليست ظاهرة تنزع إلى اختراع النموذج الثوري أو إعادة الاعتبار إليه، بوصفنا أمة في حاجة ربما إلى نموذج من هذا النوع، في ظل هذا الضعف المتنامي للأمة العربية، واستقواء البعيد والقريب عليها. ولعل من أبرز سمات هذا الضعف، احتلال أكثر من عاصمة عربية في العقود الثلاثة الأخيرة، إضافة إلى إعدام رئيس عربي، وأخيراً إصدار مذكرة جلب بحق رئيس عربي آخر.

لقد تمكنت العولمة الثقافية من صناعة جيل عربي جديد، يتسم بالفردانية، وروح التطلع نحو الذات المغلقة. وقد ساعدها في ذلك بروز التوجه القطري في العالم العربي، بعد انهيار المشروع القومي الشعبي على يد النخبة السياسية والثقافية العربية القديمة، التي ظنت أن المشروع يسير بقوة الدفع الذاتي من جهة، وأقنعت نفسها من جهة أخرى، أن المشاركة في السلطة السياسية العربية هنا أو هناك سوف يمكنها من تقوية المشروع وترسيخ جذوره.

ولكننا فجأة وجدنا أن الثقافة العربية كلها أصيبت بحال من التشوه، فارتد الكتاب العرب إلى ذواتهم، وانحسرت القضايا الكبرى في الكتابات العربية الجديدة بوصف هذه القضايا مجرد شعارات ماضوية ينبغي الانعتاق منها.

هكذا انتقلنا من هيمنة مفهوم الالتزام الفج في الكتابة، بتأثير من الواقعية الاشتراكية وتمظهراتها المتعددة، إلى مرحلة الانعتاق المطلق من تناول القضايا العربية الكبرى في الكتابة، وكأن هذه القضايا لا يتم تناولها إلا في قوالب الواقعية الاشتراكية الضيقة.

وبتضييق مساحة القراءة، وتنامي ظاهرة الإقبال العامة على الكتابة، في ظل هيمنة وسائل الاتصال الحديثة، الأكثر سهولة وسرعة وراحة، وجد الكاتب نفسه أمام هذه التحولات الثقافية الكبيرة.

لقد كانت الجامعات العربية في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، معقل النشاط الثقافي والسياسي على امتداد العالم العربي. ولكن هذه الجامعات تحولت مع التحولات الثقافية الجديدة، إلى حضانات لتفريخ جماعات من الشباب القطري، والباحث عن مستقبل فردي، والجاهل بمدى أهمية العمق القومي في الثقافة العربية، ما جعله يتعامل مع ما يحدث في أنحاء متفرقة من العالم العربي كما لو أنها تخص شعباً آخر لا تربطه به أي صلات ثقافية من تاريخ وجغرافيا ومقومات هوية واحدة. وهكذا تحول غيفارا من رمز للثورة بعد منتصف القرن الماضي، إلى رمز للوسامة والموضة في العقد الأول من الألفية الثالثة.

لم يفكر شباب القرن المنصرم في وسامة غيفارا أو في(الكاريزما) التي أصبحت صفة كثيرة الترداد هنا وهناك، بمقدار ما كان ملهماً وملبياً طموحات جيل كامل في الحرية والعدالة. أما اليوم فقد تمكن الإعلام الرأسمالي من تحويله إلى سلعة ومادة يتم تداولها بين الجيل الراهن، مجردة من تلك الرمزية العظيمة التي حملها على مدى عقود كثيرة.

ليس المطلوب أن نبحث عن رمز ملهم، ولكن هذا يأتي في سياق الحفاظ على ثقافة لطالما حاربت من أجل التحرر من الاستبداد، ولا نزال في حاجتها اليوم أكثر من أي وقت مضى.



damra1953@yahoo.com
طباعة