الحياة على هامش كورونا .. يوميات طبيب في مستشفى العزل الطبي الإماراتي

مع انتشار دعوات خليك بالبيت، ومكوث العديد في منازلهم، إلا أن بعض الفئات واجبها ومسؤولياتها تحتم عليها الخروج يومياً وربما المكوث خارج المنزل بالأسابيع والشهور في سبيل راحة وسلامة المجتمع وفي مقدمة هؤلاء الأطباء، ففيروس كوفيد 19 أظهر أبطالاً مجهولين يتحملون مسؤولية شاقة ويتصدرون الخط الأمامي للدفاع عن الوطن، كما وصفهم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي.


الدكتور جهاد صالح عبدالله، مسؤول الأشراف على تشخيص وعلاج ومتابعة حالات المصابين بفيروس كورونا المستجد، استشاري الأمراض المعدية في مستشفى الرحبة، أحد هؤلاء الجنود، حيث يقود جنوداً مجهولين يغدقون بالعطاء ولا يبحثون عن شهرة أو تكريم في المستشفى المخصص للعزل، قدموا ومازالوا يقدمون دون أن ينتظروا المقابل.


قال صالح لـ «الإمارات اليوم»: «مهمتي واجب وطني في المقام الأول، بالإضافة إلى أن طبيعة عملي وتخصصي يلزماني بأن أكون في الصفوف الأولى لمواجهة أي مرض»، مشيراً إلى أن مهمته بدأت منذ شهر يناير الماضي، حيث تم تشكيل فريق عمل بمجهود من دائرة الصحة أبوظبي، وشركة أبوظبي للخدمات الصحية (صحة) وباتوا على أتم الاستعداد للتعامل مع الحالات كافة.
وأضاف «كلمات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم عن الأطباء، وسام على صدورنا، وما نقوم به هو أقل واجب تجاه الوطن، وجهد صغير نقدمه وسط منظومة عمل متكاملة تشارك فيها قطاعات الدولة كافة لحماية المواطنين والسهر على راحتهم».


وتابع: «أقود فريق عمل يضم أكثر من 15 طبيباً، بالإضافة إلى أطقم تمريض على أعلي مستوى، جميع أعضاء الفريق اعتبرهم الأبطال الحقيقيين، حيث نقوم بتغطية العمل في المستشفى الخاص بالعزل على مدار الـ 24 ساعة في اليوم، والاستعداد لأي حالة جديدة وفحصها ومتابعتها طوال فترة تواجدها في المستشفى، وبعد التأكد من شفائها وخروجها يتم أيضا متابعتها، لضمان سلامتها وعودتها للحياة بشكل طبيعي»، مضيفاً «المحبة والعطاء والالتزام الأخلاقي صفات تعلمنها من القيادة الرشيدة».

 

وقال صالح: «نبدأ في استقبال الحالات عقب ورود اتصالاً من دائرة الصحة أبوظبي، بوجود حالة إصابة مؤكدة بفيروس كورونا المستجد، والحصول على نبذة صغيرة عن المريض تتضمن الاسم والعمر وكيفية إصابته بالمرض، وهل عائد من الخارج أم خالط مصاب، ويتم تحديد موعد وصول المريض في عربة الإسعاف، حيث تصل عربة مجهزة وجميع من فيها يرتدي الزي الطبي الواقي لمنع العدوى، ويتم إدخال المريض داخل غرفة العزل الطبي المخصصة للاستقبال الحالات».


الفحوصات والأدوية


وواصل صالح: «أقوم باستقبال المريض ومعي ممرض مسؤول وتعريفه بأنفسنا وإجراء قياس للوظائف الحيوية للمريض لعمل تقييم سريع للحالة، وعقب ذلك نعرف المريض عن مرض فيروس كورونا ومدى المدة المتوقعة للبقاء في المستشفى، والتي تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوماً، مع إعطائه فكرة عن الفحوص الطبية التي ستتم له، ومنها إخذ مسحة من داخل البلعوم عن طريق الفم، ومسحة أخرى عن طريق الأنف، وإجراء فحوص للدم للتأكد من وظائف الكلى والكبد وقوة تدفق الدم، وبعدها يتم عمل أشعة للصدر داخل الغرفة حتي لا يذهب المريض إلى قسم الأشعة، وبعد ذلك نبدأ في إعطاء المريض أدوية لأعراض فيروس كورونا، وهي عبارة عن حبوب يتم تناولها مرتين في اليوم».


وكشف عن وجود 5 أنواع من الأدوية يتم تحديد الجرعة ونوع الدواء المستخدم حسب حالة المريض وشدة الحالة، وما إذا كان لديه مشكلات مرضية أخرى، كما يتم إجراء فحوص دورية للدم كل بضعة أيام، وفي اليوم الرابع يتم فحصه وأخذ عينات وفي حال تحسنت الحالة وكانت النتائج سلبية، نخبره بأن الأعراض تحسنت والنتيجة أصبحت سلبية، ونعيد الفحوص للتأكد، وعقب ذلك نطلب منه البقاء في المنزل أسبوعين حتي يستعيد نشاطه، وإذا كانت نتيجة إيجابية يتم إعادة كورس العلاج وعمل الفحوص مرة أخرى كل أربعة أيام".


العلاج النفسي


وأشار إلى وجود معالج نفسي ضمن الفريق الطبي المعالج، حتي لا تدخل الحالات في حالة اكتئاب أو أعراض قلة نتيجة شعورها بالتواجد في مكان غير مسموح لها بالخروج منه، بالإضافة إلى التصور العام عن مرض كورونا بأنه لا شفاء له على الرغم من أن 80% من الحالات التي تصاب بهذا المرض يتم شفاؤها بشكل كامل من دون مضاعفات، ونسبة الوفاة بين المصابين عالمياً أقل من 4% فقط، لافتاً إلى أن فريق التمريض يقوم بتوزيع الورود لرفع معنوياتهم ويتفانون لخدمتهم وتلبية طلباتهم قدر المستطاع.
وذكر أن المريض يتم التواصل معه داخل الغرفة من خلال الاتصال عبر دوائر تليفزيونية مغلقة لتسهيل عملية التواصل وتقليل عدد مرات الدخول إلى غرفته، وقصرها على المتابعات الطبية وأوقات الدواء وإدخال الطعام.
التحديات
وقال "أكبر التحديات التي تواجهنا هي وجود طفل مصاب وأم سليمة أو العكس، حيث لا يمكن فصلهما عن بعضهما، وفي هذه الحالة يتم وضعهما في غرفة عزل واحدة واتخاذ الإجراءات الوقائية لمنع انتقال الفيروس للشخص السليم من خلال ارتداء الكمامات الطبية"، مشيراً إلى وجود بعض الطلبات الأخرى وفي مقدمتها إصرار البعض على الخروج للتدخين، ونقوم بإقناعهم بخطورة ذلك وعدم إمكانية تنفيذه، كما يطلب البعض الذهاب للعمل أو اللحاق بالطائرة.


التدريب
وشدد على أن جميع أعضاء الفريق الطبي يحصلون على تدريب ودورات تثقيفية بشكل دوري، ويتم اطلاعهم على أحدث طرق الوقاية من المرض وتجنب العدوى خلال العناية بالمرضى، كما نقوم بفحص دوري لهم للتأكد من عدم إصابتهم بالفيروس، كما نقوم بعزل أي شخص تظهر عليه أي أعراض وفحصة، وحتى الأن لم نسجل أي إصابة وسط الفريق المعالج، لافتاً إلى أنهم يرتدون زي خاص داخل العزل عبارة عن رداء واقي يغطي كل الجسم وقفازات تمنع وصول الإفرازات إلى الجلد، وكمامة طبية، ونظارات طبية لحماية العينين


سرعة الشفاء
وأرجع استشاري الأمراض المعدية، الدكتور جهاد صالح، الأسباب الطبية لشفاء حالات مصابة بفيروس كورونا المستجد، بشكل أسرع عن حالات أخرى، إلى الحالة الصحية للمريض ووجود مناعة قوية بجانب العمر خاصة وأن الحالات المتقدمة في العمر "فوق 65 عاماً" شفائها أبطء ومضاعفتها أكثر، بالإضافة إلى وجود أمراض أخرى مثل أمراض القلب ومرض الشرايين، والسكري، تسهم في نقصان مناعة الشخص، بالإضافة إلى أن التدخين وما يترتب عليه من أمراض في الرئة ما يزيد من فرص تعرض المريض للمضاعفات.
وقال: "كل شخص لديه عمر حقيقي وعمر بيولوجي، فالعمر البيولوجي لشخص يمارس رياضة ولا يدخن يكون صغيراً حتى ولو كان الشخص في الستينات أو السبعينات من عمره، على العكس من شخص صغير إلا أنه مدخن ولا يمارس رياضة فيكون عمره البيولوجي أكبر من عمره، ويكون الشخص الأول أقل عرضه للمضاعفات خلال العلاج، كما أن العامل النفسي يؤثر بشكل جزئي على المناعة، فمن يعانون من القلق الشديد والاكتئاب تكون مناعتهم أقل مما يلعب دوراً في تأخر الشفاء".


الوقاية خير من العلاج
وأكد الدكتور جهاد صالح، على ضرورة البقاء في البيوت والابتعاد عن أي تجمعات وغسل اليدين باستمرار هو الإجراء الأهم حالياً، وفي حالة الخروج للضرورة يجب غسل اليدين عند لمس أي سطح خارجي والحرص على عدم ملامسة العينين.
وشدد على أن إجراءات العزل السريعة والفعالة للشخص المصاب وفحص المخالطين لعدم انتشار المرض هي أفضل الطرق، وتستخدم دولة الإمارات أفضل المعايير المعتمدة من قبل منظمة الصحة العالمية للتشخيص والعزل وعلاج المصابين والكشف المبكر عن إصابة المخالطين للمريض وعزلهم إذا استدعى الأمر ذلك.

 

طباعة