محمد بن راشد يرسم صورة كاملة الملامح لـ «المعلم الأول» في «قصتي»

    راشد.. تجربة لامست قلوب الجميع

    صورة

    في كتابه «قصتي»، يفرد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، فصولاً للحديث عن والده المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه، باني دبي الحديثة، والدروس التي تعلمها منه في الإدارة والقيادة، مؤكداً أن «تجربة الشيخ راشد لامست قلوب الجميع، وأن بصمته التي تركها في كل حجر وزاوية في دبي التي أشرف على بنائها بنفسه ستبقى في ذاكرة بلده وشعبه إلى الأبد».

    وتتعدّد محطات التذكّر، ولا تنتهي وقفات الابن مع أبيه، واستعادة مواقف بالجملة، حتى إن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، يرسم صورة كاملة الملامح للمغفور له الشيخ راشد، وكأن ملامح (المعلم الأول) منقوشة في وجدان الابن الذي يستدعي سمات الأب بكل تفاصيلها: «كان فارع الطول؛ ترتسم التجاعيد على ملامحه لكثرة التبسم، أما الخطوط المحيطة بعينيه فأضفت هيبة وجدية على وجهه. كان صوته هادئاً ودافئاً وقريباً من النفس. وعلى الرغم من ذلك، كان الصمت يخيم على الجميع عندما يبدأ الكلام».

    وتحت عنوان: «علمني والدي عندما كنت صغيراً»، يسترجع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، أياماً بعيدة لا تنسى برفقة والده: «من اللحظات الأولى التي لا أنساها معه عندما كان يردفني معه على خيله في جولاته الصباحية. أبي والخيل ودبي هي ذكرياتي الأولى عن طفولتي؛ أبي والخيل ودبي هي ذاكرتي التي ستبقى معي حتى النهاية. الخيل تجمع العزة والأنفة والرقة والقوة في الوقت نفسه، وكذلك أبي، وكذلك دبي».

    المعلم الأول

    لم يكتف الوالد بإرسال ابنه إلى المدارس لتعلم القراءة والكتابة، بل حرص على أن يلحقه بمدرسة أخرى أكثر اتساعاً، وهي مدرسة الحياة، إذ كان الشيخ راشد يحرص على حضور ابنه مجالسه وجولاته ورحلاته، وهو في سن ما بين الرابعة والثامنة، كما علمه الكثير عن الصحراء: «بين الرابعة والثامنة، علمني والدي كيفية تعقب الأثر أو قراءة الرمال كما لو أنك تتصفح كتاباً. كان يريني آثار الإبل، ويقول: كل بدوي يمكنه تمييز إبله من آثار أقدامها، ولو كان عددها بالمئات!».

    دروس كثيرة، تعلمها الابن في مدرسة الوالد الأولى، بداية من ترويض الصقور، مروراً بالرماية والصيد، وصولاً إلى علامات السماء، وكيفية قراءة بوصلة السماء: النجوم، وكيفية العيش بين هوام الصحراء، وكذلك كيفية العيش في المدينة بين البشر.

    «دروس لا تنتهي» اكتسبها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، من أبيه الذي كان «مدرسة، وكان معلماً، وكان حاكماً، وكان أباً للجميع. يبدأ يومه مع صلاة الفجر، ومنه تعلمت هذا الدرس، ومازال استيقاظي حتى اليوم يبدأ مع صلاة الفجر».

    ويضيف: «تعلمت من راشد منذ نعومة أظفاري بأن القائد هو الشخص الأكثر نشاطاً والأقدر على تنفيذ المشروعات بكل كفاءة. تعلمت من راشد أن كل درهم في دبي له قيمة كبرى، ولا يتم صرفه إلا في مكانه الصحيح. ثقافة الحكم التي رسّخها راشد بن سعيد هي ثقافة تقوم على صرف المال بحكمة، والابتعاد عن التبذير الحكومي، أياً كان شكله. أحد أهم أسرار تفوق دبي هي القيم التي أرساها الشيخ راشد في منظومة الحكم. فعلاً، الحكم الصالح فيه صلاح البلاد والعباد».

    3 دروس

    وفي وقفة بعنوان: «ثلاثة دروس مع بداية حكم راشد»، يقول مبدع «قصتي» عن والده: «كان كل تركيزه وطاقته ووقته منصباً على المشروعات والاقتصاد، وكان يتجنب أي شيء يمكن أن يجر بلادنا إلى مستنقعات السياسة. اعتمدت هذه الفلسفة وهذه النصيحة عن قناعة وإيمان وتجربة عبر مسيرتي الطويلة».

    ولا يغيب صوت الشيخ راشد الذي يظل دوماً حادياً، إذ يدفع ولده مبكراً لإتقان اللغة الإنجليزية، والالتحاق بأكاديمية عسكرية راقية، وتطوير مهاراته في كل شيء.

    ويستذكر سموه زيارة خارجية أولى مبكرة، برفقة والده الشيخ راشد، وكانت إلى «محمد رضا بهلوي، شاه إيران، أو كما سمى نفسه لاحقاً الإمبراطور، أو ملك الملوك (شاهنشاه) وعرشه هو عرش الطاووس». وبعد حضور الحفل الأسطوري، الذي نظّمه الشاه بمناسبة مرور 2500 عام على تأسيس الإمبراطورية الفارسية، يقارن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم - كما روى في «قصتي» - بين طريقتين في الحكم، ونمطين في الحياة، مصوراً سيرة حاكم متواضع، يجلس ببساطة بين أبناء شعبه، وكأنه فرد عادي بينهم، يتابع شؤونهم، ويحرص على متابعة كل صغيرة وكبيرة: «شاهدت لمحة عن أسلوب ملك الملوك، وابتعاده الشديد بحياته وقصوره الضخمة عن عموم شعبه، وكنت أشاهد والدي يبدأ يومه في الصباح الباكر بجولته الصباحية مع الناس، ومتابعة المشروعات بنفسه مع العمال والمهندسين، واستقباله عامة الناس في مجلسه المفتوح، وتناوله غداءه اليومي مع ضيوفه، وقد خصص لنفسه مكتباً متواضعاً عند نقطة جمارك خور دبي، يطل على رصيف المرفأ، كي يتمكن من مشاهدة النشاط في الخارج، وكان متواضعاً جداً في سلوكه، لدرجة أن الزوار في المكتب كانوا يظنون أنه مجرد موظف، حتى إن مهندسي المشروعات كانوا يسمونه (الفورمن) (مراقب العمال) من كثرة تردده عليهم، ومتابعته اليومية لعملهم وأحوالهم. هناك تناقض صارخ في الحياتين».

    ويكمل صاحب «قصتي»: «لم أكن لأتخيل أبداً الشيخ راشد يجلس على عرش طاووس ويضع تاجاً على رأسه، لأنه أبعد ما يكون عن ذلك، وهو أقرب إلى الفطرة والبساطة، وأقرب إلى الناس».


    لحظة وداع

    يروي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، أصعب اللحظات، وهي تلك التي ودّع فيها المغفور له والده الشيخ راشد، ويستذكر الأيام التي سبقتها قبل أن تظهر علامات التعب والإرهاق على حاكم «كانت حياته عملاً ونشاطاً وحركة دائمة؛ يفاوض ويناقش ويتابع».

    ويتذكر: «في عام 1990، أتم الـ78 من العمر، ورغم مظاهر الوهن التي بدت عليه، إلا أنه كان حاضر الذهن، قوي الفكر، تغلب على كلامه الحكمة، وعلى نظراته عمق الفكرة. وكان أكثر ما يسعده في أيامه الأخيرة الجلوس في إحدى شرفات قصر زعبيل ليطلّ منها على دبي، يرى مدينته الناهضة التي بناها بعرقه، وهندسها بفكره، وضحى من أجلها بأيامه ولياليه».

    وبالساعة واليوم يحدّد الابن الوفي تاريخ رحيل الأب، لأنها لحظة لا تنسى: «في الـ10 من مساء الأحد السابع من أكتوبر 1990، أسلم راشد الروح لباريها، ورحل عن الدنيا بهدوء وسلام».

    ويلتقط صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، عزاء صادقاً في عيون من أحبوا المغفور له الشيخ راشد، عندما شاهد الدموع في عيون عمال بسطاء، مضيفاً: «أدركت أن تجربة راشد لامست قلوب الجميع، وأن وجوده وجولاته الصباحية لم تكن فقط على المشروعات، بل حتى مع البسطاء، وأن بصمته التي تركها في كل حجر وزاوية في دبي التي أشرف على بنائها بنفسه ستبقى في ذاكرة بلده وشعبه إلى الأبد».

    «لم أكن لأتخيل أبداً الشيخ راشد يجلس على عرش طاووس ويضع تاجاً على رأسه، لأنه أبعد ما يكون عن ذلك، وهو أقرب إلى الفطرة والبساطة».

    «بصمة راشد التي تركها في كل حجر وزاوية في دبي التي أشرف على بنائها بنفسه ستبقى في ذاكرة بلده وشعبه إلى الأبد».

    طباعة