يتعمدون تلقينهم بالأكاذيب لتحقيق مكاسب شخصية والنيابة تردع المحرضين

أزواج يستغلون أطفالهم في نزاعات زوجية بـ «بلاغات كيدية»

صورة

كشف المحامي العام رئيس نيابة الأسرة والأحداث في دبي، المستشار محمد رستم بوعبدالله، أن أزواجاً متنازعين يزجون بأطفالهم بطريقة غير قانونية أو إنسانية في نزاعاتهم الأسرية، حتى البعض يلقنون أولادهم في بلاغات جزائية كيدية ضد الطرف الآخر، لتحقيق مكتسبات في القضايا الشخصية، أو إثبات أنهم الطرف المتضرر، أو ترجيح موقفهم في الحصول على حضانة الطفل.

وقال بوعبدالله في حوار مع «الإمارات اليوم» إن نيابة الأسرة والأحداث اكتشفت أثناء التحقيق في عدد من البلاغات المتعلقة بالأطفال، أنه تم تلقينهم من قبل أحد الأبوين لاتهام الطرف الآخر، لافتاً إلى أن هناك بلاغات مشينة مثل واقعة لأبناء أبلغ عن تعرضهم لاعتداء من قبل والدهم، وتبين من خلال التحقيق أنه جرى تلقينهم للتنكيل بالأب.

وأكد أن الوصول إلى الحقيقة في مثل هذه البلاغات والدعاوى يُعد أبرز نتائج مشروع «غرفة الطفل» المستخدمة في الحصول على إفادات الأطفال بطريقة متطورة تقنياً ونفسياً، تحررهم كلياً من أي ضغوط، وتوفر لهم بيئة آمنة تدفعهم إلى التعبير عن أنفسهم بصورة صادقة وبأساليب غير تقليدية.

وأشار إلى أن النيابة العامة توجه في بعض الحالات تهمة البلاغ الكيدي إلى الطرف المتورط في تلقين الطفل لإيذاء الطرف الآخر، مؤكداً أنه بغض النظر عن التبعات القانونية لهذا السلوك، إلا أنه يظل تصرفاً غير إنساني يضرّ بالطفل ويغرز فيه خصالاً غير حميدة تؤثر على شخصيته في المستقبل وتجعله مهزوزاً معتاداً على الكذب.

وتفصيلاً، قال المستشار محمد رستم بوعبدالله، إن القضايا الأسرية تظل الأكثر تعقيداً على الإطلاق، خصوصاً إذا كانت تمس الأطفال بشكل ما، لأن أطراف هذا الخلاف مدفوعون غالباً بنوازع عاطفية، وتحركهم أحياناً رغبة غير مبررة في الانتقام والأذى، لدرجة تصعب التمييز بين الصدق والكذب في أقوالهم.

وأضاف أن من أسوأ الجوانب التي رصدتها نيابة الأسرة والأحداث في هذه الدعاوى الزج بالأطفال بطريقة غير مقبولة، من خلال تلقين الطفل ودفعه إلى الادعاء كذباً على والده أو والدته باتهامات قد تكون مشينة في بعض الحالات.

وعزا هذا السلوك إلى رغبة الطرف المتورط بتلقين الطفل في الاستفادة من الشق الجزائي المبني على بلاغ كيدي في قضايا أحوال شخصية لإثبات صحة موقفه أو أنه الطرف المتضرر، خصوصاً في النزاعات المتعلقة بالحضانة، لتعزيز فكرة أن الطرف المتهم غير أهل لذلك.

وأشار إلى أن من البلاغات الكيدية التي كشفتها نيابة الأسرة والأحداث، اتهام عدد من الأبناء لوالدهم بالاعتداء عليهم بطريقة مشينة، فتم الحصول على إفادات الأطفال في غرفة الطفل المخصصة لذلك، ولم يطمئن عضو النيابة والباحثة الاجتماعية إلى أقوال الأبناء الكبار وساورهما شكوك في تعرضهم لنوع من التلقين ليتهموا والدهم بهذه الممارسات، فتم استدعاء الأطفال الصغار باعتبارهم مجنياً عليهم كذلك (حسب البلاغ)، وتبين وجود تناقض واضح بين أقوال الأبناء، وثبت أن الأب يعامل أبناءه بطريقة جيدة وأنه بريء كلياً من الاتهامات التي وجهت إليه، وكانت الأم وراءها.

وتابع بوعبدالله أن من البلاغات التي كشفت كذلك من خلال غرفة الطفل، واقعة تعرض أطفال لاعتداء من قبل والدهم، ووجود آثار إصابات على أجسادهم، لكن كلما سئلوا عن مصدر الاعتداء أنكروا تورّط الأب، فتم نقلهم إلى الغرفة، وتحريرهم كلياً من الضغوط، وتأكد أن والدهم هو المسؤول عن هذه الإصابات، واتخذت النيابة الإجراءات القانونية حياله.

وأفاد بأن النيابة العامة تتخذ إجراءاتها حيال محاولات التأثير على الأطفال أو عمليات تلقينهم بحسب الواقعة، فتحفظ البلاغ في بعض الحالات وتكتفي بتحذير الطرف المسؤول، وفي حالات أخرى توجه تهمة البلاغ الكيدي لمن يتورط في هذا التصرف.

وأكد أن تأثير هذا السلوك على الأطفال سلبي للغاية، إذ يجعل الطفل مهزوزاً ضعيف الشخصية، ويعوده الكذب والحصول على مبتغاه بطريقة غير أخلاقية.

وأشار إلى أن النيابة العامة تتعاون مع هيئة تنمية المجتمع في دبي للتأكد من صحة هذه البلاغات، في ظل وجود قسم متخصص لدى الهيئة يقوم بزيارات إلى منزل الأسرة والمساعدة في التأكد من صحة الواقعة.

وعزا بوعبدالله الفضل إلى كشف الحقائق في هذه البلاغات الحساسة إلى خبرة الكادر البشري في نيابة الأسرة والأحداث سواء الأخصائيات الاجتماعيات والنفسيات أو أعضاء النيابة، بالإضافة إلى النتائج الممتازة التي حققتها مبادرة غرفة الإرشاد النفسي للأطفال التي تقوم على أساس التنفيس الانفعالي أو تفريغ الشحنات المكبوتة داخل الطفل عن طريق اللعب والرسم، إذ يكشف من خلالها عن إحباطاته وصراعاته وعلاقته بأفراد أسرته والمحيطين به الذين يمثلهم بالدمى التي يلعب بها أو الرسومات.

ولفت إلى أن الغرفة جُهزت بديكور وألوان وأدوات تناسب مرحلة الطفولة وتغذي اهتمامات الأطفال، وتبعدهم عن التوتر النفسي وأجواء العمل الجادة، حتى نحتضن المشكلات التي أحاطت بالطفل داخل الأسرة.

وأشار إلى أن الفئة التي يتم التحقيق معها هي الأطفال المحضونون المحولون من المحكمة الشرعية والأطفال المجني عليهم في القضايا الجزائية، وكذلك الأحداث الجانحون، مشيراً إلى أن الغرفة تمثل فرصة لاستخدام طرق التحقيق مع الأطفال بما يتناسب مع الفئة العمرية، وبما يضمن الوصول إلى المعلومات بشكل سلس ودقيق.

وأوضح أن الطفل يتواجد في غرفة تحتوي على ألوان مبهجة ومريحة لبيئة الطفل، بينما يتواجد عضو النيابة في مكتب ملاصق مزوّد بأجهزة اتصال حديثة، ويوجد حائط زجاجي يستطيع وكيل النيابة من خلاله مشاهدة ومتابعة ردات الفعل والإفادات التي يدليها الطفل للأخصائية الاجتماعية، وتوجيه الأسئلة لها بواسطة أجهزة اتصال، حتى لا يشعر الطفل بأن هنالك أشخاصاً آخرين يتابعون التحقيق ويمتنع عن الإدلاء بالمعلومات.

• تناقض بين أقوال أطفال يبرّئ أباً من تهمة الاعتداء على أبنائه.


عقوبة البلاغ الكيدي

أفاد المحامي العام رئيس نيابة الأسرة والأحداث في دبي، المستشار محمد رستم بوعبدالله، بأنه طبقاً للمرسوم بقانون اتحادي رقم 31 لسنة 2021 بإصدار قانون الجرائم والعقوبات نصت المادة 324 على أنه يُعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر وغرامة أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من أبلغ السلطة القضائية أو الجهات الإدارية عن حوادث أو أخطار لا وجود لها أو خلافاً للحقيقة أو عن جريمة يعلم أنها لم ترتكب.

كما نصت المادة 325 على أنه يعاقب بالحبس وغرامة أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من أبلغ كذباً وبسوء نية السلطة القضائية أو الجهات الإدارية بارتكاب شخص أمراً يستوجب عقوبته جزائياً أو مجازاته إدارياً ولو لم يترتب على ذلك إقامة الدعوى الجزائية أو التأديبية، وكذلك كل من اختلق أدلة مادية على ارتكاب شخص ما لجريمة خلافاً للواقع أو تسبب في اتخاذ إجراءات قانونية ضد شخص يعلم براءته.

وتكون العقوبة الحبس والغرامة في الحالتين إذا كانت الجريمة المفتراة جناية، فإذا أفضى الافتراء إلى الحكم بعقوبة جناية عوقب المفتري بالعقوبة ذاتها المحكوم بها.

أجواء من الألفة

قالت رئيس قسم أول في قسم قضايا الأسرة والأحداث صنعاء راشد العجماني، إن هناك مبادئ أساسية يجب أن تتبناها الأخصائية النفسية والاجتماعية في الحصول على إفادة الطفل، تبدأ بإقامة علاقة يسودها الألفة والتقبل ليطمئن الطفل إليها، ويستطيع أن يمارس حريته في اللعب والرسم في جو يسوده الشعور بالأمن، ثم تترك الحرية للطفل لاختيار اللعب وإعداد مسرح اللعب وتركه يلهو بما يشاء وبالطريقة التي يراها دون تهديد أو لوم أو استنكار أو رقابة أو عقاب، وقد تشارك الأخصائية الطفل في اللعب أو لا تشارك، حسب رغبة الطفل، وحين يبدأ الطفل بالاندماج في الألعاب تقوم الأخصائية بمتابعة أسلوبه في اللعب وملاحظة الأدوار التي يقوم بها من خلال ذلك النشاط.

وأضافت أن الأخصائية النفسية والاجتماعية تكشف بهذا الأسلوب عن قرب الصراعات والإحباطات والجوانب اللاشعورية لدى الطفل، وبعد نهاية اللعب توجه له بعض الأسئلة حول الشخصيات التي تمثلها العرائس التي يلعب بها، ومن ثم تتوصل إلى طبيعة المشكلة التي يعانيها الطفل.

طباعة