توفي بحادث مرور على شارع الخيل قبل شهور من نهاية دراسته الجامعية

محمد الطاير.. مأساة شاب وفجيعة عائلة

محمد أحمد حميد الطاير (الثاني من اليسار) بين أشقائه حميد وخالد (من اليمين) وعبدالله في حفل زفاف شقيقيه في أكتوبر الماضي.

لمْ تشرق شمس الثالث من يناير على محمد أحمد حميد الطاير، الذي غاب قبل شروقها بقليل، فكان فجراً دامياً على شارع الخيل، وفاجعاً في منزل عائلته في ندّ الشبا، وما بينهما حياة شاب في الـ،22 تنتهي فجأة على طرق طويلة من الإسفلت، يُسرع الموت فيها، من دون رأفة، ويأخذ معه يومياً أطفالاً وشباباً، وأحلاماً غضة.

كان المشهد صحراوياً محفوفاً بنسائم باردة وبعض الندى، الإثنين الماضي، حينما كان محمد يقود سيارته على الطريق، فانحرفت شاحنة أمامه من مسار إلى آخر على نحو مفاجئ، ولم يتمكن من تداركها، فاصطدم بقوة أكثر من احتمال جسد شاب، وتوفي تاركاً بيتاً مفتوحاً للألم، قبل أفواج المعزين، ومليئاً بالدموع والحزن، قبل كلمات الرثاء والأسف.

رحل محمد الطاير، الذي كان يهوى القفز بالمظلات في سماء رحبة، إثر حادث مرور على أرض يابسة، وخلّف لدى أهله وأصدقائه وكل من عرفه كثيراً من الذكريات والصور، هذه من المدرسة، وتلك مع الأسرة، وثالثة مع الأصدقاء، وآخرها صورته في 30 أكتوبر الماضي، وهو يقف مبتسماً، وسط إخوته، في حفل زفاف شقيقيه خالد وحميد، وحوله عائلته وأصدقاء أبيه من شيوخ الإمارات ومسؤوليها وشخصياتها الاجتماعية، حينها كانت اللحظة مكتظة بالبهجة والأفراح، ولولا الغياب المُرّ لكانت العائلة على موعد قريب مع زفاف محمد.

ومثلما أنّ للحياة إيقاعاً ساحراً، فإنّ للموت أيضاً حضوراً شديد الهيبة في البيوت المجروحة برحيل عزيز. للآباء انكسارات عميقة، وللأمهات حسرةٌ لا تنتهي، وللشقيقات والأشقاء غصة في الروح على من غاب، فبعد شهرين من زفاف شقيقي محمد كان المشهد أكثر اختلافاً وقسوة في منزل عائلة الطاير الذي بدا في الأيام الماضية كأنـه مجلس كبير للتعاضد وتضميد الجراح، إذ حضرت الإمارات بقيمها الأصيلة في عزاء مهيب، والتفّت بشيوخها وكبارها وصغارها حول الأسرة المفجوعة، من أجل أن يكون الموتُ أقل صدمة، ومن أجل أن يكون الحزن وفاءً للراحل، لا نهايةً للأحياء.

وقف والده، محافظ مركز دبي المالي العالمي، أحمد حميد الطاير، يتلقى العزاء، وهو يتذكر أن محمد عاد، قبل أيام قليلة، من الولايات المتحدة، التي يتلقى فيها دراسته الجامعية في الاقتصاد والأعمال، ليقضي إجازة قصيرة بين عائلته في دبي. تمرّ في ذاكرة الأب كل الصور، إذ تقضي الحياة أن تعيش الصور أكثر من أصحابها.

عاش محمد حياة جامعية مملوءة بالحيوية والحماسة، وفقاً لابن عمه وصديقه حميد طارق الطاير، الذي وصفه بأنه كان اجتماعياً ومحبوباً وقريباً من زملائه ومدرسيه، وكان يسعى دائماً إلى توسيع دائرة معارفه، مستفيداً من شخصيته الودودة وتواضعه، وشخصيته البسيطة التلقائية.

كان محمد ينتظر انتهاء الإجازة ليعود إلى متابعة الشهور الأخيرة من الدراسة، فهو في الفصل النهائي منها، وكان على موعد مع التخرج، بعد شهور قليلة، وكان يحلم بإنهائها، من دون تأخير، والعودة إلى الإمارات، وقد واظب على دروسه، إذ تمكن من رفع تحصيله الدراسي إلى مستويات متقدمة، منذ العام الماضي، أملاً في تحقيق معدل علامات مرتفع في فصل التخرج الأخير.. الصيف المقبل.

ربما خاض محمد نقاشات كثيرة مع والده ووالدته، وأشقائه خالد وراشد وحميد وعبدالله عن حفل التخرج، ومن سيكون حاضراً فيه، وجالت في ذهنه صورته وهو يرتدي زيّ التخرج، ويصعد إلى المنصة ليتسلّم شهادته، ويلوّح لأهله بزهوٍ، وابتسامة فرح دامعة، تسجلها الكاميرات، من أجل مستقبل كان محتوماً بمأساة أنهت حياة شاب وأدت إلى فجيعة عائلة.

طباعة