نزاعات الأقارب تكشف صورية العقود

  
قالت نائبة مدير إدارة علاقات العمل في أبوظبي، منى الرئيسي، إن هناك عقبات عدة تواجه النظر في المنازعات العمالية؛ لأنها لا تعتمد في الغالب على الوثائق والعقود الرسمية التي تحدد العلاقة بين صاحب العمل والعامل تفصيلياً. موضحة أن «العمال يمتنعون عن المطالبة بحقوقهم التي يكفلها لهم القانون، بسبب صلة القرابة التي تربطهم بصاحب العمل. لكن وزارة العمل لا تعتد سوى بالعقد المبرم بين الطرفين، بغض النظر عن صلة القرابة التي تربط بينهما». 


ووفقاً لقانون وزارة العمل فلا يجوز إصدار بطاقة مستثمر لأكثر من شخص واحد في المنشآت المهنية، بينما يسمح بذلك في المنشآت التجارية. «ولذا، فإن شركاء المنشأة المهنية يستصدرون بطاقات عمل كعمال عاديين تسري عليهم أحكام قوانين العمل كافة. ويصبح المستثمر مسؤولاً عنهم بشكل مباشر. وعليه، يمكنه التعميم عليهم بالهروب إذا تغيبوا لأكثر من سبعة أيام متواصلة، وحرمانهم من دخول الدولة لمدة عام».

 

وأكدت الرئيسي لـ «الإمارات اليوم» عدم وجود إحصاء رسمي للنزاعات العمالية بين الأقارب؛ «لأن تسجيل البيانات الخاصة بالشاكي والمشتكى لا يتضمن بنداً خاصاً بصلة القرابة، وإنما يتم تسجيل البيانات للعامل وصاحب العمل بناء على العقد».

 

لكن إدارة المنازعات العمالية نظرت خلافات عدة من هذا النوع، وفقاً للباحث القانوني في إدارة علاقات العمل جمعة الرميثي، الذي أفاد بأن «بعض هذه النزاعات تنتهي باستغراق الطرفين في نوبات طويلة من البكاء».

 

وقال إن المنازعات العمالية التي تنشب بين طرفين على صلة قرابة تعد من أصعب أنواع المنازعات التي ينظرها الباحث القانـوني، عازياً ذلك إلى افتقادها أسساً تعاقدية واضحـة في كثير من الأحيان، وإصرار أطراف المنـازعة على عدم التسويـة. 

 
وأضاف أن رفض التسوية يمثل سمة عامة في أكثر من 90% من منازعات الأقارب، بسبب عدم لجوئهم إلى الطرق الرسمية إلا بعد استنزاف الوسائل الودية والوساطات العائلية كافة. «ولهذا، لا يستطيع الباحث القانوني حلها، ويضطر الى تحويل أغلبها إلى المحاكم المختصة تبعاً للمادة السادسة من قانون العمل الاتحادي الذي ينص على تحويل الشكاوى العمالية للمحاكم المختصة في حال عدم قبول التسوية». 

 
وأكد الرميثي أن المحكمة تسلك السبل الممكنة كافة لإثبات الحقوق، حتى في حال عدم وجود عقود رسمية. ومن هذه السبل الاستناد الى شهادة الشهود والنظر في أي مستندات أو أوراق متبادلة بين الطرفين.

 
وبدوره، لفت الباحث القانوني أحمد البشر الى أن هذه العلاقات تتسبب في حدوث سلبيات عدة، منها حالات صورية لعقود عمل وهمية يبرمها شركاء أقارب في منشآت خاصة بهدف التحايل على قوانين الإقامة والعمل داخل الدولة، حيث يقوم أحد الشركاء بالحصول على بطاقة عمل على كفالة الشركة التي يملكها قريبه لمجرد الحصول على حق الإقامة داخل الدولة بصورة قانونية. 

 

وأضاف البشر أن عقد العمل وبطاقة العامل وإقامته في هذه الحالات ليست سوى إجراءات شكلية، والحقيقة أن هناك صلة قرابة بين الطرفين وشراكة في ملكية المنشأة، لكن قوانين وزارة العمل تعتبر عقد العمل الوثيقة الرسمية الرئيسة التي تعتمد عليها في إثبات الحقوق وإعادتها إلى أصحابها، ولا تعتد بعلاقة الشراكة بين الطرفين.

 
أسباب نفسية
وترى أستاذة العلوم الاجتماعية، الدكتورة أروى سليمان، أن حالات النزاعات العمالية تزداد بين أبناء الجنسيات العربية «الذين يفضلون العمل مع ذويهم لعدة اعتبارات، أولها منظور ديني على اعتبار أن «الأقربين أولى بالمعروف»، وللظروف الاقتصادية التي تحتم العيش المشترك. وتالياً، فإن صاحب العمل خصوصاً في المنشآت الصغيرة يفضل جلب أخيه أو قريبه ليعيش ويعمل معه في الوقت نفسه، وهو يعلم أن أخاه سيقبل بأي أجر يحدده له. ثم هناك العامل النفسي حيث يحاول صاحب العمل التغلب على شعوره بالبعد عن أهله وأسرته باستقدام أقربائه، وتظهر الجوانب السلبية عندما يعيد أحدهما النظر في طبيعة هذه العلاقة واكتشاف سلبياتها، وعندما يتطلع العامل إلى تحسين وضعه.

 

عمالة الخدم
من جهة أخرى، قال مصدر في إدارة الجنسية والإقامة في أبوظبي إن بعض المقيمين يتقدمون بطلبات لاستقدام خادمات من الخارج، يتبين أنهن على صلة قرابة بالمخدومين. ما يعني أن الإجراءات كانت مجرد وسيلة للحصول على الإقامة داخل الدولة.

 

ونتيجة لذلك، تعمل المقيمة بتأشيرة خادمة في مهنة أخرى، ما استوجب تطبيق إجراءات جديدة تقضي بضرورة تقديم مستند رسمي بخاتم سفارة الدولة التي يتبعها المخدوم بعدم وجود أي صلة قرابة بينه وبين الخادمة إذا كانا من جنسية واحدة.

 
أخوان
وأضاف الرميثي: «من النزاعات العمالية التي شهدتها الإدارة أخيراً منازعة بين أخوين من جنسية عربية، انحاز أحدهما إلى أنسابه ضد أخيه. وجميعهم شركاء من الباطن في ملكية المنشأة محل الخلاف. وتقدموا بشكوى ضده يطالبونه فيها برواتب متأخرة كعمال في المنشأة، حيث لا يوجد ما يثبت حصولهم على هذه الرواتب. وتالياً، حولت القضية إلى المحكمة أيضاً».

 

فتاة وخالتها
كما تقدمت فتاة مقيمة على كفالة الأب بشكوى للمحكمة العمالية في أبوظبي ضد خالتها صاحبة مركز تجميل تتهمها بالمماطلة في دفع راتبها لمدة ستة أشهر دون أن تستخرج بطاقة عمل لها، وعندما طالبت بمتأخراتها استغنت عنها صاحبة المركز، وتمت تسوية الشكوى بينهما.

 

ابن وأب
وتابع: «في نهاية العام الماضي شهدت إدارة علاقات العمل واحدة من أغرب حالات النزاعات العمالية بين الأقارب، حيث تقدم مدير إحدى المنشآت وعمال هذه المنشأة ببلاغ ضد صاحب المنشأة وهو أبوه، وكان الأب قد امتنع عن تسديد مستحقات العمال لفترة طويلة، كما أن الابن كان يدخر معه كل ماله، ثم تبين أن الرجل غادر الدولة متجهاً إلى دولة أخرى قريبة أقام فيها مشروعاً جديداً».

 

 

بكاء الأخوين  
أفاد الباحث القانوني في إدارة علاقات العمل، جمعة الرميثي، بأن «الادارة نظرت خلافاً بين أخوين من جنسية عربية، أحدهما يمتلك  صالوناً رجالياً له أفرع بالدولة، والثاني وهو الأخ الأكبر عامل على كفالة هذه المنشأة. وعلى الرغم من كونهما شريكين، في حقيقة الأمر، فالأوراق الرسمية لا تثبت ذلك». 

 

وتابع: «عندما قدما للإدارة كانت بينهما حالة عداء شديد، لدرجة أن أياً منهما كان يرفض النظر للآخر. بل رفض الأخ الأكبر أن يناول أخاه القلم حتى لا يلمس يده، وبعدما وصلا إلى طريق مسدود حولا إلى المحكمة. لكن المفارقة أنهما أجهشا بالبكاء من جراء الموقف، ومع ذلك حولت القضية الى المحكمة وفصلت فيها». 

طباعة