رحيل سهيل إدريس صاحب «الآداب»

 
شيّعت بيروت، أمسِ، الروائي سهيل ادريس مؤسس مجلة «الآداب»، التي قدمت للعالم العربي جيلاً كاملاً من أبرز المبدعين الذين يتسيّدون المشهد الإبداعي العربي الراهن،  وكان إدريس الذي تميّز إنتاجه الأدبي بالتنوّع، والجرأة  في ميادين الرواية والقصص القصيرة والمسرحيات والترجمات والأبحاث، رحل أول من أمس،  بعد صراع طويل مع المرض عن عمر يناهز 83 عاماً. 

أصدر سهيل إدريس أكثر من مجموعة قصصية، وله ثلاث روايات مهمة: «الحي اللاتيني»، و«الخندق الغميق»، و«أصابعنا التي تحترق»، ويعتبر الكثير من النقاد أن إدريس لو تفرغ لكتابة الرواية فقط، لحقق في هذا المجال قفزات عالية، لأنه كان في أعماله يجمع بين أصالته العربية وثقافته العصرية،
 
وكان يعالج بعمق وجمال مشكلات مهمة يعاني منها المجتمع العربي المعاصر. تبنّى الراحل وعلى امتداد حياته الإبداعية والمهنية الأفكار الجديدة التي كانت تدعو الى النهضة والتقدم، ولذلك فإن قيمة سهيل إدريس تعود الى التنوّع فيه ككاتب، وناشر، وصاحب مجلة مهمة عمرها  تجاوز 50 سنة.
 
ساند الراحل حركة الشعر الجديد التي كانت تعاني الاختناق والحصار في خمسينات القرن الماضي وحركة الشعر الجديد بكل تياراتها هي التي جددت الشعر العربي، ودفعت إلى شرايينه دماء قوية أعادت إليه النضارة والحيوية والشباب، وهذا تأثير لسهيل إدريس من أكبر التأثيرات التي تركت في وجه الأدب الحديث.

   الراحل رجاء نقاش كتب عنه منذ مدة قصيرة في مجلة «أخبار الأدب» المصرية في الفترة التي دخل فيها ادريس المستشفى «لهذا الرجل الكبير دور  عندي يشبه دور الزعماء المؤثرين في بلادهم والمؤسسين لعصور جديدة من الحرية والإبداع والفكر الذي يضيف إلى مجتمعه،

ويغيّره إلى الأفضل، وليس الفكر الخامل النائم الذي لا يقدم ولا يؤخر، ولذلك فسهيل إدريس يستحق الكثير من الاهتمام والدراسة التفصيلية مني ومن غيري ممن يعرفون فضله ويقدرون دوره العظيم»، لكن النقاش الذي كان دائم الاعتراف بفضل ادريس عليه رحل قبله، ولم يكتب عنه.

  تبنّى سهيل ادريس فكرتين كبيرتين وتمسك بهما على امتداد حياته، وهما «العروبة» و«الالتزام»، أما العروبة فقد أسهمت في إخراج جيل أدبي كامل من النطاق الإقليمي الضيق، أما فكرة «الالتزام في الأدب» فإن سهيل إدريس هو الذي قام ببناء هذه الفكرة وترسيخها في الثقافة العربية الحديثة.

وأهمية هذه الفكرة الخطيرة أنها أتاحت للكثيرين من الأدباء أن يرتبطوا في مشاعرهم وإنتاجهم بمجتمعاتهم وما فيها من مشكلاتهم، دون أن يضطرهم ذلك إلى الارتباط بنظريات تميل إلى السياسة وتجور على الأدب مثل النظرية الماركسية، ولولا فكرة الالتزام لأصبحت النظرية الماركسية في الأدب هي السائدة.
 
وأظن أن الماركسية الأدبية بسبب صرامتها الشديدة كانت من النظريات القاتلة للإبداع الأدبي الحر. وقد تخلص الكثيرون من هذه المصيدة بفضل فكرة الالتزام التي تبناها سهيل إدريس ودعا إليها بقوة وأصالة، في مجلته ذات الانتشار الكبير.  الشاعر بول شاؤول كتب عن رحيله قائلاً «برحيله نفقد مؤسساً صلباً ومبدعاً كبيراً ورائداً من رواد النهضة العربية والحداثة والجدة في أبهى صورها المعاصرة»،
 
واضاف «كان من التغييريين الداعين الى التجاوز ومن الأصوات القومية العالية»، أما الشاعر عباس بيضون فكتب في صحيفة «السفير» اللبنانية «لم يكن إدريس المتأمل والكاتب فحسب، ولكن بالدرجة نفسها الناشر والمنظم والمحفز» مذكراً بأنه جعل من مجلة «الآداب» التي شارك في تأسيسها عام 1953 منبر التجديد في الشعر والرواية والمسرح والفن التشكيلي والنقد والأيديولوجيا.
 
أصر ادريس بحداثته على رفض «قصيدة النثر» التي لم ينشرها في «الآداب» طوال فترة تولّيه رئاسة التحرير، رغم اعترافه برواجها الواسع وإقبال الأجيال الشابة على كتابتها. وأصرّ على صوابية قراره برفض رواية محمد شكري الشهيرة «الخبز الحافي».
 
رغم نجاحها النقدي والتجاري وترجماتها المتعددة، ظل على قناعته بأنها رواية غير متكاملة، وأن نبرتها الجريئة والفضائحية، لا يسعها أن تشفع للترهّل الروائي الذي فيها.

  ولد إدريس في بيروت عام 1925 وعمل في بداياته في الصحافة وحاز دكتوراه في الآداب من جامعة السوربون في باريس،بعد مجلة «الآداب» اسس ادريس دار الآداب للنشر (1965) وأسهم عام 1968 في تأسيس اتحاد الكتاب اللبنانيين مع آخرين ابرزهم المؤرخ قسطنطين زريق، والشاعر ادونيس.
 
وقد شغل منصب امين عام الاتحاد خلال دورات عدة. كما أسهم في تأليف قاموس «المنهل» الشهير وصدرت له كتابات عام 2001 وهي الجزء الأول من سيرته بعنوان «ذكريات الحب والأدب».   

كتب وترجمات
«الحي اللاتيني» 1953، «الخندق الغميق» 1958، «اصابعنا التي تحترق» 1962،  «اشواق» 1947،«نيران وثلوج» 1948، «كلهن نساء» 1949، «الدمع المر» 1956، «رحماك يا دمشق» 1965، «العراء» 1973، وله مسرحيتان «الشهداء» 1965، «زهرة من دم» .1969 ترجم اكثر من 20 كتاباً ابرزها لأهم المفكرَين الوجوديين الفرنسيين جان بول سارتر وألبير كامو