رحيل فؤاد التكرلي صاحب «المسرات والأوجاع» - الإمارات اليوم

رحيل فؤاد التكرلي صاحب «المسرات والأوجاع»

 
توفي، أمس، في العاصمة الاردنية عمان الكاتب العراقي المعروف فؤاد التكرلي، عن عمر ناهز 81 عاما، وقالت زوجته الكاتبة التونسية رشيدة التركي  ان التكرلي «توفي في الاردن بعد اصابته بسرطان البنكرياس»، عاش التكرلي الذي ولد في بغداد عام 1927 في عمان ثلاث سنوات وكان قبلها في سورية وتونس موطن زوجته بعد تقاعده.

وللراحل مؤلفات ادبية تعود الى خمسينات القرن الماضي، وله مجموعة من القصص والروايات والمسرحيات تناولت المشاكل والاوجاع السياسية والاجتماعية العراقية. ومن كتاباته «الوجه الآخر»، و«خاتم الرمل»،   و«الرجع البعيد»، «المسرات والاوجاع»، و«بصقة في وجه الحياة». وفي نصوصه كما في احاديثه تناول التكرلي الحقائق اليومية ودلالات المواقف العابرة، وما يمكننا فعله بالأدوات الحياتية البسيطة المتاحة،  يعدّ التكرلي من الكتاب المقلين في نتاجهم الادبي، وظل شأنه شأن الكثير من المبدعين العراقيين موظفا محترفا لدى الدولة وكاتبا هاويا في اوقات الفراغ ما تسبب في ضياع الكثير من جهوده،
 
كما ان حرفة المنفى قد ادركته وإن في وقت متأخر ليعيش متنقلا بين تونس ودمشق وعمان. لم تذهب السنوات الطويلة التي قضاها فؤاد التكرلي قاضيا سدىً، فقد سمحت له تلك السنوات التي تجاوزت الأربعين أن يطلع على الوجه الآخر لمجتمع قلق أعيدت صياغته بين الحربين الكونيتين، وظلت العسكرتاريا ذات التقاليد العثمانية المطعمة بصرامة وعنجهية بريطانية تتحكم به وبأشكال مختلفة لأكثر من قرن، مجتمع يتداعى بين التناقضات،

يعاني الفرد فيه من ازدواجيات متعددة، بينما تحاول حكوماته المتعاقبة ان تفرض أحادية في الفكر والسياسة.  كان مثالا للموظف الدؤوب، ابن الذوات الذي ينحدر من عائلة عريقة، درس القانون مجبرا، سحره الأدب ولكنه ظل متمسكا بالوظيفة، وسمح له ذلك ان يتنقل بين أمكنة شتى وتجارب لا حصر لها ومشكلات إنسانية لم يكن مسموحا لها بالظهور على السطح في مجتمع متزمت. 

ويذهب النقاد والدارسـون الى القول إن الحداثة في القصة العراقية ارتبطت بكاتبين هما عبدالملك نوري ، وفؤاد التكرلي، ويتفرد  التكرلي من بين مجايليه في فن السرد العـراقي الحديث، بنواح تقنية وأسلوبية انعكست على معالجاته التي انصبّت على الموضـوعة العـراقية، مـكانا وكيانات اجتماعية، ينتمي اغلبها الى الطبقة البورجوزية الصغيرة والوسطى، والفئات الاجتـماعية الكادحة والمسحوقة،

ولاغرو في ذلك اذا ما عرفنا، ان التكرلي نفسه، عاش فترة طويلة من حياته وسط  حي شعبي من احياء بغداد «باب الشيخ»،  قبل ان ينتقل الى بعقوبة، فكان قريبا من مخلوقاتها الاجتماعية، متفهما لمعاناتها، بل منغمسا في همومها، وعارفا بتطلعاتها، مع أنه كان ينتمي اجتماعيا الى الطبقة البرجوازية الوسطى، وهو في كل قصصه ورواياته، يتقصى حركة شخوصه القصصية أو الروائية في فضاء مكاني عراقي صميم. «اللاسؤال واللاجواب» هي آخر أعماله، ويعود الــراحل في هذه الرواية الى النصف الاول من التســعينات، الى تلك السنـوات الصعـبة في حياة الـعراقيين، سنوات الانـهيار الاقتصادي والالم وتـحلل الاسـس الاخلاقية، وتفتت العقد الاجتماعي بين طبقات وفئات ظل صراعها خفيا طوال عقود.

خبرة حياة  في آخر كتابات التكرلي الذي كان مواظبا على نشر مقالاته وآرائه في الصحف والدوريات العربية يقول  ملخصا جوانب من طفولته :  « كنتُ، منذ الصّغر، ألاحظ في الأشخاص الراشدين الكبار في السن، ممن يملكون، كما خمّنت، خبرة في الحياة، مظاهر هموم تنطبع على وجوههم لأسباب لا أعرفها. كانت الحياة عندي آنذاك، صفحة مستوية بيضاء، بلا مشاكل ولا عقد، فما بال هؤلاء الكبار يشغلون أنفسهم بافتراضات محزنة وأفكار لا تسرّ أحدا؟ وكنت أحسّ، مع ذلك، بأن وراء الأكمة ما وراءها من أمور لها علاقة بالعمر والخبرة في الحياة. كان الفضول الشديد يتملكني للإنصات إلى الأحاديث الطويلة بين أبي وأخي نهاد.
 
كنتُ أظن بأن أبي، وقد نيّف على السبعين من عمره، ينقل لأخي الكبير كل تجاربه ومعاناته في الحياة، فأردتُ أن أشاركه الاستماع والفهم. غير أن أبي، كما يبدو، لم يرد لي، وأنا في سني الغضة تلك، أن أتحمل ثقل أمور معقدة لا تطاق ولا يمكنني استيعابها؛ ولم يفد معه إلحاحي و إشارتي إلى رأسي الكبير كبرهان على قابليتي للفهم، وابتسم في وجهي المرفوع إليه ابتسامة حزينة ثم مسَّدَ على رأسي الكبير ذاك بخفة وحنان، ولم يجبني» . كانت خبرة الحياة بعيدة عني حقا، وعلى العكس منها كانت طاقة الكتابة القصصية أقرب إلي كثيرا.

هذا التناقض لم أفهمه جيدا ولا أزال. دستويفسكي، مثلا كتب روايته «المساكين» وهو لم يتجاوز الخامسة والعشرين من العمر، ورغم ما قد يقال عن أن من كان في مثل هذه السن يملك أحيانا قدرا من التجارب والخبرات، يمكنه من معرفة شؤون الحياة معرفة لا بأس بها، بحيث تسمح له أن يكتب بثقة وإدراك، إلا أن الحال مع دستويفسكي هي أن «المساكين» تُعدّ قمة من القمم الروائية العالمية التي لا يمكن أن تقارن بأية خبرة حياتية لشاب في الخامسة والعشرين. وعلى هذا، فإن المسألة ليست بحساب عدد السنين أو تكويمها فحسب، ولا هي في طول المعاناة فقط أو قصرها، بل هي، في ظني، وجود عناصر  مهمة  لدى هذا الإنسان الفرد، يتدخل بخفاء فيغير القيم والنتائج، ذلكم هو الوعي،  الوعي استيعاب التجارب الإنسانية التي يمرّ بها الفرد
طباعة