مَعلمٌ سياحيٌ وثقافي استغرق بناؤه 150 مليون ساعة

«قصر الوطن» يبوح بجمالياته للزوار

صورة

صرح جديد أضيف إلى العديد من الصروح الحضارية والثقافية التي تنتشر في ربوع دولة الإمارات، مع افتتاح «قصر الوطن» في أبوظبي أمام الجمهور، صباح أمس، ليمثل بما يتضمنه من معالم ثقافية وتاريخية رافداً يثري الحصيلة المعرفية لزواره، ويمثل جسراً جديداً من جسور التواصل الحضاري مع الشعوب، بفضل ما يجمعه بين جنباته من معلومات وقصص تاريخية ومعرفية وإنسانية ومعمارية. وقد شهد القصر منذ الساعات الأولى تدفق الزوار، خصوصاً من الوفود السياحية التي تزور الدولة.

«قصر الوطن» الذي استغرق بناؤه 150 مليون ساعة، يقع ضمن مجمع قصر الرئاسة في أبوظبي، الذي تبلغ مساحته 380 ألف متر مربع، وقد تم تصميمه بحيث يعكس التراث المعماري العربي برؤية معاصرة تتناسب مع القرن الـ21، ويتميز بطابعه المعماري الذي يعبّر عن جماليات فن العمارة العربي من خلال الأنماط والزخارف والأشكال الهندسية والألوان المستوحاة من طبيعة المنطقة، ولذلك يغلب عليها اللون الأبيض، الذي يرمز إلى الصفاء والسلام، واللون الأزرق المستمد من مياه البحر، إلى جانب اللون الأصفر المستمد من رمال الصحراء.

القاعة الكبرى

تعتبر القاعة الكبرى في «قصر الوطن» قلب المكان، فهي القاعة الأكبر مساحة في القصر، وقد تم تخصيصها لإقامة المراسم والاستقبالات الرسمية فيها، ويبلغ طول وعرض القاعة 100 متر، بينما يبلغ قطر القبة الرئيسة 37 متراً، وهي واحدة من أكبر القباب في العالم، بحسب ما أوضحت المرشدة السياحية في «قصر الوطن» أمل الظاهري، خلال الجولة الإعلامية التي تم تنظيمها، صباح أمس، لوسائل الإعلام. كما تم اعتماد تصميم هندسي في القاعة يستند إلى تقسيم الجدران ضمن ثلاثة مستويات، بهدف إظهار هيكل القاعة؛ المستوى الأول بعلو 6.1 أمتار، والثاني 15.5 متراً، والثالث 21 متراً، بينما زينت جدران القاعة والقصر عموماً برسومات وتصاميم هندسية ومعمارية إسلامية وعربية مختلفة، من أبرزها النجمة الثمانية والمقرنصات.

وتفضي القاعة الكبرى إلى «البرزة» أو المجلس، الذي يجتمع فيه الحاكم والقائد مع شعبه، ويستمع فيه إليهم، ويلبي فيه حاجاتهم ومطالبهم. وقد تم استلهام التصميم المعماري للبرزة من معناها والقيم التي تسود فيها، حيث استوحي السقف من الأيادي المتشابكة، التي ترمز إلى الترابط والتلاحم والتواصل، كما يشبه الستائر المنسدلة في الخيم التي تعقد فيها المجالس، بينما استوحت الأعمدة من ينابيع المياه الحارة وطريقة اندفاع المياه فيها. وتمثل البرزة ثانية أكبر قاعات «قصر الوطن» بعد القاعة الكبرى، ويمكنها استضافة 300 ضيف، ويستطيع الزوار مشاهدة عرض فيديو لمدة خمس دقائق يستعرض تاريخ المجلس في دولة الإمارات.

روح التعاون

وتتصدر القسم الغربي من «قصر الوطن» قاعة «روح التعاون»، التي تم تخصيصها لتستضيف جلسات المجلس الأعلى للاتحاد، إضافة إلى القمم واللقاءات الرسمية، كاجتماعات الجامعة العربية، ومجلس التعاوني الخليجي، ومنظمة التعاون الإسلامي، وتتميز القاعة بتصميمها الدائري، بما يمثل المكانة المتساوية التي يحظى بها الرؤساء والقادة المجتمعون، وصممت القاعة بشكل متدرج على هيئة مسرح مفتوح، ليتمكن الموجودون فيها من متابعة مجريات الجلسات المنعقدة. وتتوسط سقف القاعة قبة تمت زخرفتها بطبقة نقوش داخلية من ورق الذهب عيار 23 قيراطاً، وتتدلى منه ثريا يبلغ وزنها 12 طناً، وتتكون من ثلاث طبقات، وتحتوي على 350 ألف قطعة كريستال، ونظراً لضخامة الثريا، تم تركيبها داخل القاعة قبل تعليقها، وإلى جانب وظيفتها الجمالية؛ تلعب الثريا دوراً عملياً يتمثل في امتصاص الضجيج والضوضاء في القاعة. كذلك يضم الجناح الغربي قاعة الهدايا الرئاسية، التي تضم مجموعة خاصة من الهدايا الدبلوماسية المقدمة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، التي تعرض للجمهور للمرة لأولى، وهي تجسّد العلاقات الودية التي تجمع الدولة بمختلف دول العالم، كما تعكس الثقافة والقيم الاقتصادية للدول التي تقدمها. في المقابل، تقع قاعة المائدة الرئاسية، التي يتم فيها تقديم الولائم في المناسبات الرسمية، والتي تعكس كرم الضيافة الإماراتية في ما يقدم لممثلي الدول الشقيقة والصديقة. تضم القاعة 149 ألف قطعة فضية وكريستالية مصممة خصيصاً لـ«قصر الوطن».

مكتبة القصر

أما الجناح الشرقي من «قصر الوطن» فتتصدره «مكتبة القصر»، التي تحتوي على أكثر من 50 ألف كتاب، لتشكل وجهة أساسية للباحثين عن مصادر معرفية تعنى بدولة الإمارات، كما يضم الجناح «بيت المعرفة»، الذي يتضمن معروضات وأعمالاً فنية نادرة، تلقي الضوء على العصر الذهبي للحضارة العربية وإسهاماتها في مختلف مجالات المعرفة الإنسانية من علوم وفنون وآداب، من أبرزها مجموعة من المخطوطات القديمة، التي تعود إلى قرون عدة ماضية من مختلف أنحاء العالم العربي، بما في ذلك مخطوطة برمنجهام للقرآن الكريم، ومخطوطة أطلس في علم الفلك، وشرح لامية الزقاق الخاصة بفقه القضاء وأصول المحاكمات. كذلك يعرض في بيت المعرفة أول خريطة عصرية للجزيرة العربية من عام 1561، التي رسمها الإيطالي جياكومو جاستالدي، من خلال استخدام المعلومات التي جمعها المستكشفون البرتغاليون، ويعتقد بأنها أول خريطة تحمل اسم إمارة أبوظبي. وتعتبر معظم المخطوطات المعروضة نادرة، سواء أكان ذلك من حيث الموضوع أم الشكل أم النسخ. وتماشياً مع «عام التسامح»؛ يعرض «قصر الوطن» الكتب السماوية الثلاثة: القرآن الكريم والإنجيل ومزامير داوود جنباً إلى جنب.

ويتوسط الجناح الشرقي عمل فني بعنوان «طاقة الكلام»، للفنان مطر بن لاحج، وهو يشكل إحدى مقولات المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وهي «الثروة الحقيقية هي ثروة الرجال وليس المال والنفط، ولا فائدة في المال إذا لم يسخّر لخدمة الشعب».

إلى جانب ما يتضمنه القصر من أجنحة وقاعات، يقدم لزواره عرضاً ضوئياً وصوتياً بعنوان «The Palace in Motion»، يبرز بهاء وروعة القصر، ويستعرض مسيرة التقدم في دولة الإمارات العربية المتحدة، عبر رحلة مرئية من ثلاثة فصول، تنتقل بالزائر من تاريخ الدولة العريق إلى حاضرها المشرق، ورؤيتها لمستقبل أكثر ازدهاراً.

أرقام من «قصر الوطن»

استغرق بناء «قصر الوطن» 150 مليون ساعة، وبنيت واجهته من الجرانيت الأبيض والحجر الجيري الذي يدوم مئات الأعوام، حيث تم اختيار اللون الأبيض باعتباره رمزاً للنقاء والسلام، ونظراً لأن ألوان المباني في دول الخليج الساحلية عادة ما تكون باللونين الأبيض والبني الفاتح. كما تم استخدام 5000 شكل هندسي وطبيعي ونباتي متنوع في تزيين القصر وجدرانه. بينما صنعت أبواب القصر من خشب القيقب الصلب، لمتانته ولونه الفاتح، وتتميز بالنقوش التي تم تنفيذها يدوياً، وهي محلاة بالذهب الفرنسي عيار 23 قيراطاً، واستغرق صنع كل باب 350 ساعة.

زايد والإعلام

تتصدر مدخل «قصر الوطن» قاعة للمؤتمرات الصحافية الحكومية، مع دعوة لزوار القصر للتوقف والتقاط صور تذكارية في القاعة بعنوان «ذكرى من القصر»، كما تشير القاعة إلى حرص المغفور له الشيخ زايد، طيب الله ثراه، على التواصل مع وسائل الإعلام، حيث استقبل خلال فترة حكمه صحافيين وإعلاميين من كل أرجاء العالم، وخلال المقابلات الصحافية التي أجريت معه، تجلت شخصيته القيادية وحكمته وبعد نظره. كما تضم القاعة صورة للشيخ زايد، رحمه الله، وهو يتحدث إلى أحد الصحافيين من محطة التلفاز الفرنسي في نوفمبر 1971.

القصر شهد تدفق الزوار منذ الساعات الأولى خاصة من الوفود السياحية التي تزور الدولة.

350 ألف قطعة كريستال في ثريا تتدلى من سقف القاعة وزنها 12 طناً

طباعة