الموقف الأوروبي «منافق» ولم يسهم في رفع الظلم عن الفلسطينيين

إيرلندا مؤهلة للوقوف ضد جرائم الحرب الإسرائيلية

صورة

قبل أيام، في الـ11 من يوليو، استقبلت مزارعين فلسطينيين، هما منى وفايز الطنيب، اللذان يعيشان في ظل جدار العزل غير القانوني منذ عام 2003، ويقاومان عملية تدمير مزرعتهما ومصادرة أراضيهما، من قبل مستوطنة إسرائيلية تجارية. ويمثل وجود هذه المستوطنة بحد ذاته خرقاً كبيراً للقانون الدولي، ولكن ذلك لا يقدِّم إلا القليل من العزاء للناس الذين يعيشون حياتهم في توازن قلق. وتستمر الاعتداءات، وكذلك مصادرة الأراضي، وتم حتى الآن الاستيلاء على أكثر من 40% من الضفة الغربية، ما يقوض قابلية إقامة دولة فلسطينية مستدامة.

وسافر كل من منى وفايز كل هذه المسافة من الضفة الغربية لمقابلة سكان عاديين في إيرلندا، كالمزارعين والمجموعات الأخرى، التي يتشكل منها المجتمع في شتى أنحاء إيرلندا، حيث يعقدون لقاءات عامة، ويعربون عن رفضهم لهذا الظلم الذي يتعرضون له. وعلى الرغم من الرحلة الطويلة التي قام بها المزارعان في الطائرة، إلا أنهما أصرا على أنهما لم يشعرا بالتعب. بل إنهما شعرا بالحماس، نتيجة الدعم الكبير الذي حظيا به في هذه الدولة التي تتميز بصراع طويل ضد الاحتلال.

وقد كانا شاهدين في البرلمان الإيرلندي، على تصويت البرلمانيين على قانون الأراضي الفلسطينية المحتلة، الذي أقر بإنهاء التجارة في البضائع المصنوعة في المستوطنات الإسرائيلية غير الشرعية في الأراضي الفلسطينية، بما فيها تلك التي تقطع أراضي منى وفايز بالنصف.

نفاق

وعلى الرغم من أن هذه المستوطنات تمت إدانتها مراراً وتكراراً، باعتبارها غير قانونية، من قبل الاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة، والحكومة الإيرلندية، إلا أنها تواصل استخراج موارد طبيعية وزراعية مهمة في الضفة الغربية، كما أنها تصنع الكثير من المنتجات. ويتم تصدير هذه المنتجات إلى متاجر مختلفة موزعة في شتى أنحاء العالم، بما فيها إيرلندا، وهو أمر ينطوي على الكثير من النفاق، فكيف ندين المستوطنات، باعتبارها غير قانونية، كما أنها تمثل سرقة للأرض والموارد، وفي الوقت ذاته نشتري نتائج هذه الجريمة بسعادة غامرة.

وشاهدت تأثير توسع هذه المستوطنات عندما زرت الضفة الغربية هذا العام، إذ إنها كانت كثيرة، مثل التضييق على حركة الناس، وتقليص المساحات المخصصة للسكن والرعاية الصحية، ونقص الكهرباء. وشاهدت الإهانة الكبيرة التي يعيشها المجتمع الفلسطيني المحروم من موارده المائية، التي يتم تحويلها إلى مزارع الدجاج الإسرائيلية. وتم بناء تلك المستوطنة التجارية على أراض مسروقة خلف حدود معترف بها دولياً، وهو الأمر الذي يعتبر جريمة حرب. فهل الرد الأخلاقي على مثل هذه الجريمة هو إدانتها أولاً، ثم نسأل عن ثمن البيض؟

تكريس الظلم

وفي نهاية المطاف، فإن التجارة في بضائع المستوطنات غير الشرعية تكرّس الظلم. ونحن نستطيع توجيه الانتقادات إلى من نشاء، ولكن سنوات الخطابات الفارغة لم تثمر أي فائدة لمصلحة الفلسطينيين، وطالما أننا نشتري البضاعة المصنّعة في تلك المستوطنات، وهم يحققون مزيداً من الأرباح، فبالطبع لن يتغير أي شيء.

والتكاليف الإنسانية لهذا الاحتلال هي التي تهمني، فالطفلة الصغيرة التي تعيش في الأراضي الفلسطينية لا تعرف من الحياة سوى الجنود والجدران الإسمنتية، وتعاني وعائلتها الحرمان، لأنهم لا يستطيعون زراعة أرضهم. والطفل الذي يبقى بلا طعام، لأن الأكل الذي كان من المفروض أن يتناوله تم حصاده، وبيع في شتى أنحاء العالم كي تعود فائدته على الاحتلال.

واجب وطني

وأعتقد أن إيرلندا لديها واجب برفض كل هذا، وإنهاء التجارة في البضاعة المصنعة في المستوطنات، وهي طريقة واضحة وملموسة، ويمكننا القيام بها، وهذا ليس مطلباً متطرفاً، إذ إنه يصبو إلى الانسجام مع سياستنا الخارجية، كما أنه يبعد إيرلندا عن الانتهاكات الواضحة للقانون الإنساني. ونحن لا نهدف إلى إنهاء التجارة في المنتجات الإسرائيلية، وإنما فقط المنتجات المصنوعة في المستوطنات غير الشرعية، التي أدانتها إيرلندا وشركاؤها في الاتحاد الأوروبي باعتبارها غير شرعية.

وهذا التمييز مهم. ويرى البعض أننا باعتبارنا عضواً في الاتحاد الأوروبي، لا نستطيع تغيير السياسة التجارية من جانب واحد، ولكن التجاوز القانوني لهذه الحالة يتم بموجب قواعد التجارة بين الاتحاد الأوروبي ومنظمة التجارة العالمية، وهي مبينة في الآراء التفصيلية التي قدمها المستشار الاقتصادي لحكومة إيرلندا مايكل لين، والبروفيسور جيمس كروفورد، المتخصص في القانون الدولي في جامع كامبردج، كما أنه عضو في المحكمة الدولية، وأحد أبرز علماء القانون في العالم.

وبالنظر إلى عدم شرعية المستوطنات الإسرائيلية، فإن إيرلندا مخولة بموجب المادة 36 من اتفاقية الاتحاد الأوروبي بأن تنأى بنفسها عن هذا الانتهاك للقانون الدولي، الذي أدانه الاتحاد الأوروبي ذاته، باعتباره يشكل انتهاكات واضحة للقانون الإنساني. وهذه المادة تمت صياغتها بصورة عامة، بحيث أنها تنطبق على كل احتلال موجود في العالم، بعد موافقة أعضاء البرلمان الإيرلندي، كما أن الأدلة على انتهاكات حقوق الإنسان الفلسطيني موجودة. ويكون المبدأ هو ذاته: يجب على إيرلندا معارضة جرائم الحرب، بغض النظر عن الذي يرتكبها.

شجاعة العمال

وتذكرني هذه المادة القانونية بشجاعة عمال متاجر دونيس في دبلن بإيرلندا، خلال ثمانينات القرن الماضي، إثر إضرابهم ضد التعامل ببضائع دولة جنوب إفريقيا. وكان الخوف أن يؤدي حظر منتجات من دولة جنوب إفريقيا، التي كانت محكومة بنظام الابارتهايد في حينه، إلى التصادم مع قوانين المفوضية الأوروبية. وفي نهاية المطاف، تمكنت إيرلندا من أن تكون مستعدة لإظهار قيادتها للعالم في هذه القضية، فحولتها إلى قضية عالمية، وجعلت الآخرين يقتدون بها. وينطبق الأمر ذاته على أيامنا هذه، إذ أننا نمتلك الأهلية القانونية لمتابعة ذلك، إذا كانت الإرادة السياسية موجودة.

وقد أثبت أنا وزملائي البرلمانيين أن السياسة الخارجية الإيرلندية ستظل دائماً تقف إلى جانب القانون الدولي وحقوق الإنسان والعدل.

فرانسيز بلاك برلماني مستقل وكاتب


يتم تصدير منتجات المستوطنات الإسرائيلية إلى متاجر مختلفة موزعة في شتى أنحاء العالم، بما فيها إيرلندا، وهو أمر ينطوي على الكثير من النفاق، فكيف ندين المستوطنات باعتبارها غير قانونية، كما أنها تمثل سرقة للأرض والموارد، وفي الوقت ذاته نشتري نتائج هذه الجريمة بسعادة غامرة.

التجارة في بضائع المستوطنات غير الشرعية تكرّس الظلم. ونحن نستطيع توجيه الانتقادات إلى من نشاء، ولكن سنوات الخطابات الفارغة لم تثمر أي فائدة لمصلحة الفلسطينيين، وطالما أننا نشتري البضاعة المصنَّعة في تلك المستوطنات، وهم يحققون مزيداً من الأرباح، فبالطبع لن يتغير أي شيء.