5 دقائق

قنوت النوازل

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

القنوتُ هو الطاعة والخشوع والدعاء، والنوازل جمع نازلةٍ وهي الأمر الشديد الذي يهتم له المرء ويقلقه شأنُه، كما قال الفراهيدي في كتابه العين: «النّازلةُ: الشّديدةُ من شدائد الدَّهْر تَنْزِلُ بالقَوْمِ، وجمعُها: النَّوازِل».

- الإنسان محاطٌ بملايين الميكروبات والفيروسات التي تريد أن تفترسه.

وليس هناك نازلة شديدة تشهدها البشرية منذ زمن بعيد أشدُّ مما نزل بها الآن من هذا الوباء المسمى «فيروس كورونا» الذي عمَّ وطم، واستفحل وتطور، واشتد أَواره وعلا زَبَدُه، وقد كان يُظن أنه سحابة صيف، فتبين أنه عدو شرس متوغل في البشرية، ولا يعرف مدى أمده، ولعله يريد أن يبقى مصاحباً للبشرية - أعاذها الله منه - فها هو قد دخل عامه الثاني، وهو أشد انتشاراً، يزهق أرواح مئات الآلاف، ويقعد مئات الملايين من البشر في غرفات الإنعاش وحجرات البيوت، ويتغوَّل بألوان وأطياف مختلفة، وكل ذلك صنع الله تعالى، فهو سبحانه الذي خلقه وقدره على البشرية، وكان الواجب عليها أن تلجأ إلى من أنزل الداء وينزل الشفاء سبحانه، فهو الشافي المعافي، وهو خالق كل شيء، لا خالق غيرُه ولا ضار ولا نافع إلا هو سبحانه، وهذا ما أرشدتنا إليه سنة المختار صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فقد كان عليه الصلاة والسلام إذا حزَبه أمر صلَّى، كما رواه أحمد في مسنده من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، «وكان يقول عند هذه الشدائد: لا إله إلا الله الحليم العظيم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب العرش الكريم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض رب العرش العظيم»، ثم يدعو كما رواه البيهقي من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وكان عليه الصلاة والسلام يجعل لهذه الشدائد جزءاً من صلاته؛ فيقنت في كل الصلوات كما روى البخاري ومسلم من حديث أنس رضي الله عنه قال: «قنت النبي صلى الله عليه وسلم بعد الركوع شهراً يدعو على رِعْل، وذَكوان، ويقول: عُصية عصت الله ورسوله». وفي لفظ مسلم «قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهراً بعد الركوع في صلاة الصبح يدعو على رِعل، وذكوان، ويقول: عُصيَّةٌ عصت الله ورسوله». يعني الذين قتلوا القُراء في بئر معونة غدراً، فكان تشريعاً لأمته بقنوت النوازل كما استدل بذلك فقهاء الإسلام قاطبة، وإن اختلفوا في بعض التفاصيل.

والمهم في الأمر هنا أن الناس غافلون عن هذه السنة في هذه الشدة، فلا قنوت نوازل في المساجد أو البيوت، لا فرادى ولا جماعات، ولا التجاءٌ صادق إلى من بيده الضر والنفع، فإلى متى نستمر بهذه الغفلة، ولدينا أسباب الرجاء بصدق الالتجاء، وإحياء سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، فما شرع لنا هذا القنوت إلا لنستنَّ به عند الحاجة، وقد علمنا كيف نستمر فيه ما دامت النازلة قائمة، فينبغي علينا معشر المسلمين أن نخرج من عالم الغفلة إلى اليقظة، ومن تِيه الحيرة إلى صدق الالتجاء للذي أنزل الداء وينزل الشفاء، مع الأخذ بالأسباب الوقائية التي أُمرنا بها، فذلك هو المطلوب من كل إنسان، وما هذه الكرة الشديدة لهذا الوباء إلا بسبب غفلتنا عن مولانا سبحانه، وتركنا لأسباب الوقاية الكافية استرواحاً للنفس في مواطن أذيتها وهلكتها.

إن الإنسان محاطٌ بملايين الميكروبات والفيروسات التي تريد أن تفترسه لولا أن الله يدافع عنه بما يخلق فيه من ميكروبات نافعة، ومناعات قوية، وفيروسات مضادة، غير أن الهجوم قد يكون أحياناً أقوى من الدفاع، ودفاع الله تعالى عن عبده أقوى من دفاعه بنفسه، كما يشير لذلك قوله سبحانه: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: «لا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البِر». فحذارِ يا إنسان أن تنسى الرحيم الرحمن، ألا فلنجعل من صلاتنا دعاء، ومن أوقاتنا التجاء، ومن أموالنا صدقاتٍ لدفع البلاء، ومن الوسائل المتاحة وقاء، ومن بيوتنا استقرار وثِواء، حتى يرفع الله البلاء، ونعود إلى أيام الأنس والصفاء.

فاللهم عجّل لنا بالفرج، وأقر المُهج، وارفع الحرج.

«كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه.

طباعة