5 دقائق

    «تحدي القراءة» بوابةُ المعرفة

    د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

    ما أجلَّ همتك وما أعظمَ طموحك، وما أنبلَ قصدك أيها الشيخ! فأنت رائد المعارف، ورائد الابتكار، ورائد التطور، ورائد فعل الخير، كما أنك رائد السياسة والاقتصاد، وفارس الميادين؛ فمن ذا يدانيك في هذه الهموم الكبيرة التي تسعى لها، ولا تفتأ تحققها بأبهى صورة وأحسن تطبيق؟!

    نعم، هذا ما تفعله ويشهد لك به الثقلان، وهم شهداء الله في الأرض، بأنك سبَّاق لكل فضيلة، وحائز قصَب السبق لكل خير، فمهما عدَّد الكاتبون أو تكلم المتكلمون، فإن ذلك قاصر عن الواقع الذي وصلتم إليه، فضلاً عما تطمحون إليه.

    إن برنامج تحدي القراءة الذي استَقْطبتم فيه آلافاً مؤلفة من أبناء أمتكم العربية، واستنهضتم به همم الشباب والشابات للقراءة؛ لهو من أولوياتكم التي لم تُسبقوا إلى مثلها، سيكتبها التاريخ ضمن صفحاتكم البيضاء الكثيرة العدد والمدد؛ فإن أحداً قبلكم لم يدُر بخلَده مثل ذلك لشعبه فضلاً عن أمته، فكم أنت كبير في أعيننا أيها الشيخ القائد الرائد لما تقدمونه لهذه الأمة المكلومة في ثقافتها ومعرفتها، وقد كانت رائدة المعارف، وفاتحة الآفاق لكل فن معرفي أو تجريبي، فأصبحتْ أفقر الشعوب ثقافة، وأكثرها تخلفاً، وأكبرها أُمِّيَّة، وأعظمها تأخراً، صناعياً وتقنياً وحضارياً، وأصبح الفقر سمة غالبة عليها، مع كثرة خيراتها ووفرة خزائنها البيئية، وغدت الأميةُ عالية النسبة بينها، مع كثرة ما ألف أسلافها.. وهي الأمة المَوْسومة بأمة «اقرأ»، هذا الأمر الإلهي الذي خُوطب به النبي الأمي عليه الصلاة والسلام، لتعلم أمته أن الأمية ليست مرادة لهم، وإن كانت معجزة في حق نبيهم، لتكون الرسالة والعلم الذي يأتي به في منأى عن الاتهام بالاكتساب، وإنما هو من لدن عليم خبير، فكأن الخطاب موجه لأمته التي سيدعوها إلى الهدى المستقيم، ولن تعرف الهدى من الردى إلا بالقراءة.

    ولما كان سلف الأمة مدركين لهذا الأمر الإلهي سادوا الأمم بالعلم والمعرفة، ولما تناساه الخلف حلَّت بهم عوادي الدهر التي لا يزيلها إلا نور العلم.

    ها أنتم يا شيخ المعرفة ورائد السبق إلى الفضائل تشحذ همم أمة «اقرأ» لتعود إلى سابق عهدها في الريادة المعرفية والثقافية، وتخرجَ من الجهل الذي خيّم عليها فأوصلها إلى الحضيض.

    إن القراءة هي الحياة؛ لأنها تحيي القلوب الميتة بالجهل والتخلف، فتنير لها طريق الحياة السعيدة، وتجعل المرء يعيش لزمانه ويعمل لمستقبله، ويتعظ بماضيه، لأن القراءة توسِّع المدارك، وتعطي التجارب، وتريح النفس، وتوسع الأفق، وتجعل المرء يعيش مع الناس، لا يعرف العزلة، ولا ضيق الصدر، القراءة إذاً هي الحياة التي بها تحلو وتُؤنِس وتُسِعد، والقراءة هي الغذاء الروحي للفكر والقلب، كغذاء الجسد بالطعام والشراب.

    نعم، الأمة التي لا تقرأ هي ميتة، لأنها لا تستطيع أن تبني حاضرها ولا تخطط لمستقبلها، ولا تعرف لذة العيش، لذلك كانت محاربة الأمية تعد محور التنمية والاستقرار والرخاء لدى الدول الراقية والحكام الصالحين، فمن لم يُعنَ بالقراءة لم يعن بنفسه ولا بأمته، وهذا ما لا يوجد في قاموس شيوخنا وحكومتنا الرشيدة، وما هذا البرنامج إلا حلقة في سلسلة طموحة لشيخ المبادرات الرائدة، وشيخ المعرفة الناهضة، محمد بن راشد، دام ظله وارفاً على شعبه وأمته..

    ها هو البرنامج في نسخته الرابعة يستقطب أكثر من 13 مليونَ قارئ عربي، وهي نسبة كبيرة في عالمنا العربي، ولابد أن يحقق أهدافه ليصل إلى مئات الملايين من أمتنا العربية، فتكون القراءة منهج حياة لهم، حتى يعرفوا واجبهم في الحياة بناءً وتطوراً وحضارة..

    فهل يستفيد أبناؤنا وبناتنا من هذا البرنامج الطموح، فينافسوا في قراءة الكتب النافعة، فيستفيدوا العلم النافع، ويوصلوا حاضرهم بماضيهم ومستقبلهم؟

    وما أنصحك يا شوقي حين قلت:

    أنا من بدل بالكُتب الصِّحابا* لم أجد لي وافيا إلا الكتابا.

    صاحبٌ إن عبتَه أو لم تعب* ليس بالواجد للصاحب عابا.

    كلما أخلقته جددني* وكساني من حلى الفضل ثيابا.

    هكذا يقول من يعرف قيمة القراءة والكتاب، الذي هو خير جليس، كما قال المتنبي، فلنجعل القراءة منهجاً والكتاب صاحباً مؤنساً، ولندعُ لشيخ المكارم بكل خير.

    «كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

    لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه. 

    طباعة