ضغائن الثقافة

خليل قنديل

تشكل ظاهرة الثقافة والمناخات الاجتماعية التي تفرزها، حالة من التعقيد الذي يستحق الدراسة والتمحيص، ففي الوقت الذي تبدو فيه الثقافة رافعة حضارية للرقي بالمفاهيم الاجتماعية وبلورة مسلكياتها المتنورة، نراها في بعض الأحايين التاريخية ترتد إلى أحط المستويات وهي تُنتج ثقافة الضغائن الحاقدة على أكثر من مبدع، محاولة تقويض تجربته وتدميرها بشتى السُبل المتاحة.

وتكاد الثقافة العربية السائدة وساحاتها المتطاحنة ثقافياً تحتل قصب السبق في إنتاج مثل هذه الظاهرة الضغائنية في مجمل محافلها الثقافية، والغريب في هذه الضغائنية أنها لا تسمن ولا تتورم ولا تفرز rسمها القاتل والتدميري، إلا في لحظة إدراكها أن هذا المبدع أو ذاك أخذ يحتل حضوره المحلي والعربي وربما العالمي.

والشعراء العرب الذين مزقوا مضارب القبيلة واستطاعوا أن يدخلوا بلاط السلطان أو الخليفة، كثيراً ما تعرضوا للدسائس التي كانت كثيراً ما تؤدي إلى اعتقالهم أو قتلهم أو نفيهم، وبغض النظر عن الطموحات التي كانت تحتل رأس جدنا الشاعر «المتنبي» في تزعم ولاية، إلا أن ترحاله المستمر وتنقله وفقدانه يقينه المكاني يدلل على الضغينة التي ظلت تلاحقه حتى لاقى حتفه مقتولاً.

وليس من باب المصادفة التاريخية أن تنهض الضغائن التاريخية الثقافية العربية ضد الراحل الدكتور طه حسين حينما بزغ نجمه التشكيكي الديكارتي في بنية الشعر العربي في بعض مراحله التاريخية، وكتب عن الانتحال في الشعر الجاهلي، فأدى ذلك إلى تكفيره وسحب كتابه من المكتبات والطرد من جامعة الأزهر، أو الاعتذار عن كل ذلك، وهذا ما اضطر في النهاية إلى أن يقوم به عميد الأدب العربي.

وليس من باب المصادفة أيضاً أن تنتهي حياة المفكر العربي رفاعة الطهطاوي معلماً للصف الرابع الابتدائي في إحدى قرى السودان، وهو الذي اختاره الخديوي ليكون عريفاً على أمراء يذهبون إلى باريس، ويعود بعد ذلك متميزاً على الأمراء الذين تبددوا برغباتهم في أجواء باريس ومدنيتها المدهشة، حاملاً كتابه الاول «تلخيص الإبريز في تاريخ باريز»، هذا الكتاب الذي كان فاتحة حقيقية للتعبير عن الصدمة الحضارية بين الشرق والغرب.

الضغينة وحدها التي استطاعت أن تهمش قامة مثل رفاعة الطهطاوي كي يموت مهملاً بمثل هذه الطريقة، وأن يظل مقصياً في جوانب التاريخ حتى تدرك دوره الريادي لاحقاً مجموعة من المفكرين والباحثين والمؤرخين.

ومن يدخل زواريب العلاقات الثقافية السائدة في الساحات الثقافية العربية في زمننا المعاصر هذا، لابد أن يلمس الخاصية الضغائنية الموجعة حدّ القتل بين المثقفين والمبدعين في علاقاتهم الثنائية والجماعية، فما من شاعر أو مبدع يبزغ نجمه، إلا يلاحظ أن الضغائن تبدو بالنمو والتورم، وهي تشكك بقواه الابداعية ومرجعياته الكتابية إلى حد التدمير والإقصاء، فلا يمكن أن تستحضر الشاعر نزار قباني مثلاً إلا وتنهض مع هذا الاستحضار الضغينة التي تتوجه شاعراً للقصيدة النسائية والجسدية والعقد الجنسية، ولا يمكن أن تستحضر قامة مثل الشاعر محمود درويش إلا تنهض الضغائن الثقافية العربية كي تجرده من شاعريته الفذة وهي تقول لك إن الثورة الفلسطينية هي التي كرسته شاعراً، وهكذا.. إنها الضغائن الثقافية التي وبرغم كل هذا التقدم الذي ندعيه مازالت تأكل رؤوسنا وتعيدنا إلى مربع القبيلة الأول.

 

khaleilq@yahoo.com

طباعة