مطالــــــــــب بتنظيم رؤية «أطفال الطلاق» قانونياً

عدم اتفاق الوالدين على رؤية الطفل يتسبب في مشكلات نفسية له. غرافيك: لويس تشومبيتاز

تشهد محاكم الأسرة نزاعات مستمرة بين الأزواج بعد الطلاق على حضانة الأطفال وحق رؤيتهم، تصل في بعض الأحيان إلى التشابك بالأيدي، والاعتداء بالضرب أمام الأطفال، وأحياناً تضطر الشرطة إلى التدخل لتنفيذ الحضانة بالقوة الجبرية، وفق محامين ومستشارين في مجال الأسرة، مطالبين بإدخال تعديلات على قانون الأحوال الشخصية تنظم عملية رؤية الأطفال بين الزوجين حال طلاقهما، في ضوء تزايد النزاعات القضائية على حضانة الأطفال وحقوق رؤيتهم. وشددوا على استحداث وثيقة تلزم الزوجين التعهد بتوفير رعاية مشتركة لأطفالهما في حال وقع طلاق بينهما، وعدم استغلال الأطفال عاطفياً أو مالياً، للإضرار بمصلحة الطرف الآخر، لافتين إلى أن عناد الآباء يدفع ثمنه الأطفال.

وأشار إلى أن هناك أطفالاً من ضحايا الطلاق رفضوا تنفيذ أحكام قضائية تدعوهم للعيش مع أحد الأبوين بموجب حكم الحضانة، وألزمتهم الشرطة الذهاب إلى منازل حاضنيهم، محذرين من التداعيات النفسية والاجتماعية لهذه المشكلة على مستقبل الأطفال. وبلغ عدد حالات الطلاق في أبوظبي داخل المحاكم أو خارجها خلال العام الماضي نحو 1500 حالة، وفقاً لإحصاءات دائرة القضاء بإمارة أبوظبي، فيما تشير إحصاءات اتحادية إلى أن حالات الطلاق أمام المحاكم الاتحادية والشرعية الابتدائية في إمارات الشارقة، وعجمان، والفجيرة، وأم القيوين بلغت عام 2008 نحو 918 حالة.

ويقول المحامي إبراهيم التميمي إن محاكم الأسرة تشهد نزاعات مستمرة بين الزوجين على حضانة الأطفال ورؤيتهم، تصل إلى التشابك بالأيدي والاعتداء بالضرب أمام الأطفال، لافتاً إلى أن كلا الزوجين يستغل جميع الوسائل الممكنة للإضرار بالطرف الآخر، وبما يتعارض مع مصلحة الأطفال الضحايا، مضيفاً أنه في حالات كثيرة لا يكون الأب راغباً في رؤية أطفاله، نظراً لزواجه بأخرى أو عدم تفرغه لهم، لكنه يدخل في منازعة مع طليقته على مسألة الحضانة والرؤية قاصداً معاندتها والإضرار بها، وأحياناً يصر أحد الأباء على حضانة طفل رضيع لا يتجاوز عمره خمسة أشهر، بعيداً عن والدته دون أن ينظر إلى مصلحة الرضيع ومدى حاجته في مثل هذا العمر لأمه.

حالات

واستعرض بعض الحالات التي شهدتها أروقة محاكم الأسرة في الفترة الأخيرة قائلاً: «أب استحوذ على حضانة أطفاله الذين لم تتجاوز أعمارهم ست سنوات، وحرمهم رؤية أمهم مدة عامين، إذ كانت تقطن في أبوظبي، بينما يقيم هو في مدينة العين، وطرقت الأم جميع الأبواب لرؤيتهم لكنها فشلت، حتى تمكنت بعد فترة من استصدار أمر قضائي بضم حضانتهم إليها، لكن كانت المفاجأة رفض الأطفال الذهاب معها، ما اضطر القاضي إلى إصدار أمر باصطحابهم بالقوة، وطلب من الأب أن يترك الأولاد ويذهب لتتمكن الأم من تسلمهم، وعلا صراخ الأطفال في أروقة المحكمة وهم يسحبون بالقوة من يد والدهم إلى صحبة والدتهم».

وتابع التميمي، «في حالة أخرى أسقطت حضانة طفلة عن والدتها بعد وفاة والدها، وتم تسليمها إلى شقيقة والدها، وبعد حرمان عدة سنوات من رؤية ابنتها، تمكنت الأم من استعادة الحضانة بحكم قضائي، لكن سلطة التنفيذ فوجئت برفض الطفلة الذهاب مع والدتها، وإصرارها على البقاء مع عمتها، ما اضطر الأم إلى استصدار أمر بالقوة لأخذ البنت عن طريق مركز الشرطة، لافتاً إلى أن غياب الأم عن أطفالها فترة طويلة يخلق فجوة كبيرة في المشاعر بينهما، وكان الأمر يتطلب التمهيد لإعادة العلاقة الطبيعية بينهما.

وأشار إلى أنه خلال إحدى جلسات التقاضي حول دعوى مطالبة بنفقة زوجية، شوهد الطفل محل النزاع ولم يتعد عمره خمس سنوات يترك والدته ويتوجه نحو مقعد أبيه في قاعة المحكمة، مبدياً رغبته في العيش معه. ولفت التميمي إلى أن هذه القضايا تعكس حجم المعاناة التي يتكبدها الأطفال ضحايا الطلاق، مطالباً باستحداث مواد قانونية تنظم عملية الرؤية بعد التشاور مع المحامين والقضاة والجهات القائمة على تنفيذ الرؤية، للوصول إلى أفضل الحلول لمصلحة الطفل، مقترحاً أن يكون للأب حق اصطحاب أطفاله في الإجازات والعطلات والمبيت معه شريطة ألا يأخذ الأولاد على سبيل العناد ويتركهم لدى أقاربه وينشغل عنهم ولا يجالسهم. واقترح التميمي إنشاء مراكز رؤية خاصة للأطفال تابعة للاتحادات النسائية، ولا تكون من خلال مراكز الشرطة، وإنما من خلال مشرفين مدنيين، منوهاً بقرار سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك بتنظيم عملية الرؤية ومكانها، بحيث تكون الرؤية بوساطة الاتحاد النسائي من حيث التسليم والتسلم، إذ أمرت سموها بتوفير عدد من الموظفين والموظفات للإشراف على الرؤية، متمنياً أن «يتم توفير مقرات تابعة للاتحاد النسائي في كل منطقة لتسهيل الرؤية، والابتعاد عن الرؤية في مراكز الدعم لوجود الصبغة الشرطية، مع إشادتنا بما يبذلوه من جهد».

أنانية الأبوين

من جانبه يرى المستشار الأسري راشد المنصوري أن أبناء الطلاق ضحايا أنانية الأبوين، على الرغم من أنهم لم يكونوا سبباً أو طرفاً في الخلاف الذي أدى للطلاق، داعياً إلى استمرار العلاقة الأبوية بعد انتهاء العلاقة الزوجية، إذ يكون للأطفال الحق في العيش في كنف الوالدين.

وحذر من استغلال الأطفال من قبل الأبوين بعد الطلاق، لما له من تأثيرات اجتماعية سلبية، مستعرضاً حالة أب كان يطلب من أطفاله التجسس على والدتهم عند زيارتهم لها مقابل 500 درهم، وكذلك كانت الأم تفعل مع أطفالها، إذ كانت تطلب منهم خلال يوم الرؤية التلصص على أبيهم وزوجته ونقل أخبارهما مقابل بعض المال، لافتاً إلى أن هذه الحالة تعد نموذجاً سلبياً لمظاهر استغلال الأطفال بعد الطلاق، إذ تحولوا بفعل الأبوين إلى جواسيس لنقل الأخبار لبعضهما.

ويرى المنصوري أنه ليست هناك حاجة لتشريع ينظم رؤية الأطفال، بقدر ما هناك حاجة لزيادة الوعي والثقافة لدى الأبوين بحق الأطفال في رؤيتهم معاً، مستعرضاً حالة أطلق عليها (الطلاق الناجح)، حيث اتفق الزوجان بعد انفصالهما على العمل من أجل مصلحة أطفالهما، فكانا ينظمان برامج ترفيهية مشتركة بينهما وبين أطفالهما حتى إنهما سافرا معاً لأداء فريضة العمرة بصحبة أطفالهما.

ويقترح المستشار الأسري عيسى المسكري استحداث وثيقة قانونية يتعهد فيها الزوجان بالتعاون فيما بينهما على رعاية الأطفال في حال وقوع الطلاق بينهما، دون الدخول في منازعات تضر بمصلحة أطفالهما وتتضمن اتفاقاً مبدئياً على كيفية الرؤية لكليهما، إضافة إلى إلزامهما بالمشاركة في دورات تدريبية لتوعيتهم وتثقيفهم بالأساليب المناسبة لرعاية الأطفال بعد الانفصال، مؤكداً أن التفاهم المشترك بين الطرفين والتغلب على الأنانية ونزعة الانتقام والحوار الهادئ هو السبيل نحو ضمان رعاية اجتماعية ونفسية مناسبة للأطفال.

وبين أن الطلاق تكون له آثار جانبية في الأطفال، وأن حرمان أحد الطرفين من رؤية أطفاله يخلق مشكلات نفسية واجتماعية لدى الأطفال، من بينها التبول اللاإرادي والانطوائية والخجل، والشعور بالحرمان والجلد الذاتي وغيرها، وعدم الثقة في النفس. ويقترح أن يكون هناك طرف ثالث للإصلاح والتخفيف من حدة الخلافات، ويكون في الوقت نفسه مراقباً لعملية الرؤية، لافتاً إلى أن الأطفال الذين يرفضون الذهاب مع حاضنهم لا يدركون مصلحتهم التي أقرتها المحكمة عندما أعطت حضانتهم لطرف دون الآخر، وإنما يدركون احتياجاتهم العاطفية ويميلون لطرف دون آخر لما وجدوه من عاطفة وحنان. وأوضح أن الطفل الذي يتوجه لرؤية والده أو والدته يكون مشحوناً من الطرف الحاضن ضد الطرف الآخر، فكل يحاول استقطاب الطفل لمصلحته، بغض النظر عن نفسية الطفل ومشاعره، والمحصلة النهائية طفل معبأ بشحنات سلبية في كل اتجاه، مؤكداً أهمية أن يعايش الطفل الطرف غير الحاضن معايشة حقيقية، ويندمج في بيئته ومعيشته.

طباعة