حواجز واستراتيجيات خاطئة - الإمارات اليوم

حواجز واستراتيجيات خاطئة

      
تمثّل الترجمة منذ عصور طويلة ركيزة أساسية من ركائز نهضة الدول، وقيام وازدهار الحضارات، ويحفل التاريخ بالعديد من الأمثلة التي تؤكد ذلك، وفي عصرنا الحالي، زادت أهمية الترجمة لتصبح جسراً يمتد بين الثقافات المختلفة ليقرّب بينها، وهو ما أكده صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، في لقائه عدداً من المثقفين خلال زيارته الأخيرة إلى ألمانيا، مشدداً على «أهمية دعم الحركة الثقافية ونشر الترجمة؛ لما لها من دور كبير في نشر الثقافة والمعرفة»، مشيراً إلى أن «مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، ستتولى إعداد جيل من المترجمين العرب والمسلمين، وستتبنى كل العقول في هذا المجال».


وتأتي تصريحات صاحب السمو نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، تعبيراً عن الاهتمام الذي تجده الترجمة في الدولة، والذي تبلور اخيراً في إطلاق مشروعات طموحة في هذا المجال مثل مشروعي «ترجم» و«اكتب» التابعين لمؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، ومشروع «كلمة» التابع لهيئة أبوظبي للثقافة والتراث، وغيرها من المبادرات التي تهدف إلى تطوير واقع الترجمة في العالم العربي، ولكن إلى ان تتحقق هذه الأهداف، تعاني الترجمة مشكلات عدة تقف حاجزاً امام قيامها بمهمتها في التقريب بين الثقافات المختلفة.


استراتيجية خاطئة
أشار رئيس مجلس إدارة اتحاد كتاب وأدباء الإمارات الكاتب حارب الظاهري، إلى أن الترجمة تعاني العديد من المشكلات، موضحاً ان «برامج الترجمة الموجودة في العالم العربي، لا تقوم بدورها كجسر للتبادل الثقافي بين الثقافات المختلفة، بل تعتمد على الترجمة من اتجاه واحد، وهو الترجمة من اللغات الأجنبية إلى العربية»،  مبيناً أن هذا «لا يمثل دور الترجمة كاملاً، والذي يجب ان يشمل الترجمة من اللغة العربية إلى لغات العالم». معتبراً أن «الاستراتيجيات التي تتبعها المؤسسات والجهات المختصة بالترجمة في العالم العربي -في حال وجود استراتيجيات لديها- خاطئة، إذ إنها تبني قراراتها على الجانب الأحادي، كما يفتقد القائمون عليها جانباً مهماً جداً، وهو الاختصاص، فهم بعيدون كل البعد عنه، مما يفرض ضرورة تغيير الهياكل التنظيمية لهذه المؤسسات ليتولاها مثقفون فاعلون في هذا المجال».


وأضاف الظاهري: «الترجمة مسألة حسّاسة، وفي هذه الفترة أصبح الكل يتكلم عنها وعن أهميتها، وأصبحنا نسمع عن مشروعات عدة في هذا المجال، ولكن عند النظر في الأهداف التي تسعى هذه المشروعات لتحقيقها، نجدها لا تخدم الواقع الثقافي، بل هي تدين هذه المشروعات، والتي غالباً ما تفتقد إلى فكرة او خطة واضحة، حتى بتنا نسمع عن أشياء لا نراها، فعند الإعلان عن مشروع ما للترجمة؛ من المنطقي ان نرى حصيلة إنتاجه في فترة محددة حتى لا يصبح الأمر مجرد فرقعة إعلامية»، مؤكداً أنه في المقابل «هناك جهات تقدم انتاجاً ملموساً، رغم ضعف إمكاناتها، مثل اتحاد الكتّاب الذي أخرج بإمكاناته المادية البسيطة عدداً من الكتب المهمة». مشيراً إلى ان مشروعات الترجمة الموجودة في العالم العربي، تفتقر إلى الاتصال بالواقع، والإخلاص الحقيقي للترجمة، «فعندما تفكر في أهداف أخرى لا يمكنك الإخلاص لمشروعك».


دور مهم
ويؤكد الكاتب والأديب إبراهيم مبارك  الأهمية الكبيرة للترجمة، حيث كان لها فضل كبير في إطلاع العالم العربي على الأعمال الأدبية ذات الأهمية الكبيرة التي تم إنتاجها بمختلف لغات العالم، والتي ما كان لها ان تصل إلى دولنا العربية من دون الترجمة، ولذا لابد من دعم حركة الترجمة ودعم المترجمين ومساندتهم في ما يقومون به من جهود. موضحاً ان «ترجمة الأعمال العالمية المميزة تساعد المبدع العربي على الاطلاع على ما يقدمه العالم من نتاج إبداعي، وان يحدد موقعه ومستواه في الساحة الإبداعية مقارنة بالآخرين من حولنا، وهو أمر بالغ الأهمية».


وقال مبارك: «الوطن العربي مدين للمترجمين من المثقفين الذين قدموا أعمالاً مهمة بمبادرات شخصية وبذوق أدبي خاص، حيث يحرص المثقف على انتقاء الأعمال التي تنبع من حسه وذوقه الفني، وتلك التي يتفاعل معها ويتأثر بها، بينما يؤدي إسناد مهمة اختيار الأعمال التي تتم ترجمتها إلى المؤسسات الحكومية أو الخاصة في الكثير من الأحيان إلى ظهور معايير وعوامل أخرى للاختيار، بعضها سلبي، خصوصاً في مجالي السياسة والاقتصاد، فالسلطات لا تقبل إلا بترجمة ما يساندها ويتفق مع توجهاتها وأهدافها، في حين لا يقبل المترجم المثقف الذي يتمتع بالحرية والاستقلالية إلا بترجمة ما يستحق من أعمال، حتى لو كانت تعرّي السلطة»،  مشيرا إلى أعمال كتّاب مثل «بابلو نيرودا، والتي ما كانت ستترجم في العديد من مناطق العالم إذا كان الاختيار متروكاً كاملاً للسلطات الرسمية دون مبادرات فردية من المترجمين»، لذلك يؤكد مبارك أنه «علينا توفير الدعم الذي يحتاج إليه المترجم من دون فرض وصاية عليه، مثل إقرار مشروع لتفرّغ المترجمين».


كما يؤكد مبارك أهمية مشروعات الترجمة التي تم إطلاقها خلال الفترة الأخيرة في مختلف دول العالم العربي، وأهمية الدور الذي تقوم به، إذا التزمت بالمسار الصحيح لها، مشدداً على ضرورة «عدم التزامها بسياسة «الترجمة العوراء»، وان لا يمثل ارتباط هذه المشروعات بالسلطات الرسمية نوعاً من الوصاية عليها، او يحصرها في عدد من الأسماء المعروفة والمتواجدة باستمرار على الساحة على حساب الأسماء التي ما زالت تقبع في الظل رغم أهميتها، مثلما يحدث في بعض الجوائز الرسمية».


أسباب التأخر
من جانبه، يجد الشاعر والمترجم محمد عيد إبراهيم، ان الترجمة في العالم العربي تعاني  تأخراً واضحاً، رغم انها أصبحت في السنوات الأخيرة مفصلاً حيوياً للتبادل الثقافي بين الشعوب، حيث يعتبر التنوّع الثقافي هو السمة الغالبة على منطق العولمة الاقتصادية التي تغمر العالم بالسلع شبه الموحدة، مشيراً إلى ان «ما يقدمه العالم العربي بالكامل أقل مما تقدمه دار نشر واحدة في فرنسا، على سبيل المثال، ويرجع ذلك إلى قلة مؤهلات المترجم الذي  يعتبر في الثقافة العربية مثل «العتّال»، فهو يؤسس للكثير من المعرفة، بينما ينال النصيب الأدنى من الشهرة والمال مقابل عمله»،  وأضاف «يسعى غالبية الناشرين العرب إلى ظلم المترجم بدرجة أكبر من غيره من المبدعين، باعتبار ان الرواية هي الأكثر أهمية، بينما تأتي الترجمة في المرتبة الدنيا».


ويأمل إبراهيم ان يكون في المشروعات الثقافية التي تم إطلاقها أخيراً بعض الدعم الذي يحتاج إليه المترجم، وقال «تسعى المؤسسات الكبرى حالياً، مثل المجلس الأعلى للثقافة في مصر، وسلسلتي عالم المعرفة والآداب العالمية في الكويت، ومنشورات وزارة الثقافة السورية، وأضيف إليها أخيراً مشروع «كلمة» الذي أطلقته هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، ومشروع «ترجم» التابع لمؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، ما يحتم الاهتمام بالمترجم». موضحاً ان هناك مشكلات أخرى تعانيها الترجمة في الدول العربية بخلاف التمويل والدعم، من أبرزها «مشكلة توزيع المنتج الثقافي ونشره بسعر في متناول معظم المهتمين بمتابعته، لاسيما ان بينهم نسبة كبيرة من طلبة الجامعة الذين يقبلون على هذه الكتب أكثر من غيرهم من القراء الآخرين».


وعن مدى تدخل مؤسسات الترجمة في انتقاء الأعمال التي تتم ترجمتها، أشار  إبراهيم إلى ان «معظم المؤسسات كانت تتجه للترجمة الأدبية في الغالب، ولكن في الفترة الأخيرة عملت المنظمة العربية للترجمة، تقريباً، على إلغاء هذا التوجه، وقصر الترجمة على الكتب الفكرية، وهو ما يمثّل نوعاً من التطرف، فلابد من ان يكون هناك نوع من التوازن، حتى يكتمل عالم المعرفة بكل ما فيه من تنوّع». 

 

كفاءات
 قال محمد عيد ابراهيم إن «اتجاه المنظمة العربية للترجمة يرجع إلى إدراكها لواقعة حدثت في القرن الـ19، حينما ذهبت بعثة مصرية وأخرى يابانية إلى فرنسا، وانتهى الأمر بالبعثة المصرية إلى ترجمة العديد من النصوص الأدبية، بينما عمدت اليابانية إلى أمهات الكتب العلمية وأخذت في ترجمتها، ومنها انبثقت الطفرة العلمية التي تنعم بها اليابان اليوم»، لافتاً إلى أن «هذا أيضاً لا يعني الاقتصار على ترجمة العلم فقط، كما لابد من الانتباه إلى ضرورة توفير الكفاءات الضرورية للقيام بترجمة الكتب العلمية، فلا يمكن التعامل مع كل مترجم باعتباره مؤهلاً للدخول في هذا المجال».  
طباعة