الاكتفاء بالمشهد الناقص

يقول إرك هويز بادم في كتابه «عصر رأس المال» إن المسيحية أخفقت بطوائفها كافة في أن تكون مزاحمة للدين الاسلامي الذي لايزال يواصل انتشاره من دون مقاومة ومن دون منظمات تبشيرية أو دعم قوى كبرى خصوصاً في الأقاليم الخلفية وإفريقيا وأجزاء كبرى من آسيا.

ويلفت بادم الى أن السبب في هذا الانتشار يعود الى مبادئ «المساواتية» التي أدت الى تكوين الوعي بالتفوق على قيم الغزاة الاوروبيين بلا استثناء. ومن خلال ما تقدم ومن خلال دراسات كثيرة ايضاً يتضح أن الغرب ليس جاهلاً بالحضارة الإسلامية كما يعتقد وأن ما توصف به هذه الحضارة الآن من «ظلامية»

مصدرها هفوات بعض المتعصبين لا غير وأن كل حملات التعريف بالإسلام في الغرب لمواجهة سوء الفهم وعدمه في ما يخص الرسوم المسيئة مثلاً لن تكون ناجحة لأن العكس هو المراد عند من يغالط في فهم سيرورة هذا الدين المكروه سلفاً.

لا نريد في هذه العجالة أن ندافع عن الإسلام لأننا من معتنقيه بحسب «الإيمان أو الهوية» لأنه الأقدر على الدفاع عن نفسه ويكفي بحسب بعض المفكرين الغربيين أنه لم يتشاكل مع فتوحات الاسكندر الأكبر أو الرومان أو المغول وأن معتنقيه أيام الفتوحات ظلوا على ما هم عليه حتى بعد انسحاب الجيوش الاسلامية لقناعتهم بتفوقه الروحي على نزعات التديّن الأخرى وصهره للفئات العرقية في بوتقة اجتماعية واحدة لا توصف بعنصر أو لون محددين.

وبين هذه الرؤية ومضامين «الإسلام السياسي ومنظماته» القائمة على الغلو والحدة يظهر فرق كبير بين من يريد أن يفهم الإسلام فهماً عصابياً ماضاوياً وبين من يراه يمثل النموذج العالمي للأمم. غير أن بادم يتدخل هنا عبر رؤية يستخلصها من واقع المجتمعات العربية تقول: «إن دعوة الأفغاني لإحياء الإسلام السني لم تكن مرتكزة على العودة الى الماضي وانما الى استحداث عوامل ثقافية ودينية وفكرية تخلق مجتمعات متطورة» وهي رؤية لم يرها ابناء الإسلام أنفسهم ممن حملوا رايات الدفاع عنه من خلال تفعيل الاتجاهات الدموية وكبح الاتجاهات الاصلاحية التي نحتاج إليها في طريقنا الى التجديد.

وعلى هذا لا بد من القول إن الحملات التي تتقصد وتقصد تحسين صورة الإسلام في الغرب من خلال جمع النقود العربية واستثمارها إعلامياً لن تنجح في اختراق صلادة ما تشكل عند الغربيين الذين أخذوا نسخة «تورا بورا» بدالها ومدلولها كفكرة ممثلة لما يعنيه الإسلام في كل الأحوال والعصور.

وبناء على نسخة «تورا بورا» نعود وتعود الكرة الى ملعب المفكرين العرب والمسلمين للمطالبة بفتح أبواب الاصلاح ومن ثم أبواب التجديد مع الأخذ بعين الاعتبار أن الاصلاح هنا لا يعني الاكتفاء بمنظر القمة.
  zeyad_alanani@yahoo.com