البرزخ «4-5»

«البَرْزَخُ هو الحاجز بين الشيئين، والبَرْزَخُ ما بين الدنيا والآخرة من وقت الموت إلى البعث، فمَن مات فقد دخل البَرْزَخَ».

اكتفى الشاعر والمثقف محمد أحمد السويدي، بتلك العبارة الموجزة مدخلا لنصه الجديد الذي تنفرد «الإمارات اليوم» بنشر مختارات منه على حلقات.

وإذا كان فيلسوف الشعراء أبو العلاء المعري في رحلته المتخيّلة المعروفة بـ«رسالة الغفران»، قد تجول في الجنة، ثم في الجحيم مصطحباً معه رفيقهَ ابن القارح ليحاوره، موضحاً من خلال الحوار آراءه في العقائد وأصحابها وفي طبيعة الثواب والعقاب الإلهيين، وإذا كان دانتي في ثلاثيته الشهيرة «الكوميديا»، قد قام بإيضاح رأيه في عدد من مشاهير التاريخ عبر إدراجهم، إما في طبقات جحيمه التسع، والذي يمثل عالم الخطيئة والإثم والعذاب، أو في طبقات مطهره التسع أيضاً، والتي تمثل التوبة والتطهير والأمل، أو في طبقات جنته التي تمثل الطهارة والحب والصفاء والحرية والنور الإلهي، وتضم أرواح الصالحين الأتقياء الذين اتبعوا قواعد الأخلاق والفضيلة في حياتهم العلمية. إذا كان الأمر كذلك مع المعري ودانتي، فإن الشاعر والمفكر محمد أحمد السويدي في نصه الجديد، قد اختار المنطقة الواقعة ما بين الدنيا والآخرة من وقت الموت إلى البعث لينقل إلينا، في مزيج مسرحي مشغول بحرفية واضحة، ما استمع إليه من أصوات خلال رحلته البرزخية المتخيلة، حيث نستمع إلى صوت «المتوكل» وستة ممن عاشوا في دولته وجمعتهم معاً قصة واحدة، وذلك في محاولة جديدة ضمن المشروع الثقافي الطموح الذي يديره الشاعر محمد أحمد السويدي، من خلال «دارة السويدي الثقافية»، والهادف إلى إعادة قراءة التاريخ ورصد تفاصيله المغيبة بين صفحات الكتب.

يمكن الاطلاع على النص كاملاً من خلال موقع الوراق:

www.alwaraq.com  

أيام من دولة المتوكل  

 

الصوت الثاني
«الفتح بن خاقان»

أمر المتوكل بضرب عنق عبّادة، فهرب ولم يدر إلى أين يتوجه، فأخذ يهرب في الصحارى ومعه طبله ونايه، فلما أمعن في الصحراء خاف أن يدركه الطلب، فرأى غاراً مفتوحَاً فدخله وسد بابه بالحجارة، فلما صار إلى أقصاه وجد فيه أسداً عظيماً رابضَاً ففزع منه وهمّ الأسد أن يثب عليه، فما وسعه إلا أن ضرب الطبل، فلما سمعه الأسد فزع من صوته وهرب يريد الخروج، فوجد باب الغار مسدوداً فربض هناك خائفاً من صوت الطبل. فجعل عبادة تارة يضرب بالطبل، وتارة يزمر بالناي خوفاً من الأسد، ووافق ذلك قدومي من نزهة كنت خرجت إليها، فلما سمعت صوت الطبل والناي في الصحراء أنكرت ذلك، ثم تبعته حتى وقفت على باب الغار، وأمرت أن يفتح، فلما فتحوه خرج الأسد هارباً على وجهه، فخرج عبّادة وهو يبكي ويصرخ، ويقول: هذا دفعه إليّ أمير المؤمنين أعلّمه ضرب الطبل والغناء بالناي وشردته علي، فقلت له : أنا أرضي أمير المؤمنين، ولك علي ألف دينار، فقال: أخاف واللّه أن يضرب عنقي.

فقلت له: أنا أستوهبه دمك، فقال: إن فعلت فقد رضيت. ثم أخذته معي، وأتيت به المتوكل، فلما دخلت عليه قلت: يا أمير المؤمنين، لي إليك حاجة، قال: وما هي؟ قلت: هب لي دم عبادة فأنا الذي أذنبت وليس هو، فقال: ما كانت نيتي إلا أن أضرب عنقه، وقد وهبته لك، فقبلت يده وقلت: أنا الذي أطلقت الأسد وما له ذنب، فلما سمع المتوكل ذكر الأسد، سألني عن أصل القصة، فقلت له بما رأيت، وقلت إنّه زعم أن أمير المؤمنين أعطاه ذلك الأسد ليعلمه الطبل والغناء، فضحك المتوكل حتى فحص برجله الأرض، وقال: خدعك واللّه يا فتح، إن الأصل كيت وكيت، وأنجزت لعبّادة الألف التي وعدته بها.

الصوت الثالث
«البحتري»

مدحت عيسى بن إبراهيم أبا نوح الكاتب وكان من كتاب المتوكل الذين قدموا معه دمشق. كان على المطبخ والحرس، وكان يكتب للفتح بن خاقان، وامتدحته وهو عليل فأنشدته من قصيدة:
إذا اعتللت ذممنا العيش وهو ندٍ     طلقُ الجوانب ضافٍ ظله رَغَدُ
لو أن أنفسَنا اسطاعتْ وقيت بها     حتى تكونَ بنا الشكوى التي تجدُ
فقال لي: يا أبا عبادة، ما نسمع شيئاً حسناً حتى نراك، وقد أمر لك الأمير الفتح بن خاقان بمئتي دينار، وقد أضفت إليها مئة لأني لست مثله. فأخذتها وانصرفت.

الصوت الثاني
«الفتح بن خاقان»

سأل المتوكل أبا العنبس يوماً: أخبرني عن حمارك ووفاته وما كان من شعره في الرؤيا التي رأيتها، قال: نعم يا أمير المؤمنين، كان أعقل من القضاة، ولم يكن له جريرة ولا زلّة، فاعتل علة على غفلة، فمات منها، فرأيته فيما يرى النائم، فقلت له: يا حماريِ، ألم أبرّد لك الماء، وأنقّ لك الشعير، وأحسن إليك جَهْدِي. فلم مُت على غفلة؟ وما خبرك؟ قال: نعم، لما كان في اليوم الذي وقَفْتَ على فلان الصيدلاني تكلمه في كذِا وكذا مرّت بي أتان حسناء، فرأيتها فأخذَتْ بمجامع قلبي، فعشقتها واشتد وجدي بها، فمت كمداً متأسفاً، فقلت له:
يا حماري، فهل قلت في ذلك شعراً. قال: نعم، وأنشدني:
هــامَ قلبــي بأتـانِ     عنـد باب الصيدلاني
تيمــّتني يوم رُحـْنَا   بثــناياها الحســانِ
وبخــذَيْنِ أسيلين      كلــون الشنقــراني
فبهـا مُت ولو عـشـ   ت إذا طال هواني
قال: قلت: يا حماري، فما الشنقراني؟ فقال: هذا من غريب الحمير.
فطربت وأمرت الملهين والمغنين أن يغنوا ذلك اليوم بشعر الحمار، وزدت في تكرمة أبي العنبس وجائزته.

الصوت الرابع
«عبّادة المخنّث»

كنت أشرب بين يدي المتوكل ويترك في القدح فضلة. فقال: يا عبادة؛ ما تدري ما يقول الناس؟ قلت: وما هو ؟ قال: يقولون إن شارب النبيذ إذا شرب وعبس وجهه وفضلت في القدح فضلة، فإن إبليس يضرب قفاه ويقول: اشرب فضلة ما استطبت. فمضت الأيام واصطبح المتوكل وأنا حاضر، وشرب قدحاً كان في يديه وفضلت فضلة. فقلت: يا أمير المؤمنين، جاءك الرجل.

الصوت الثالث
«البحتري»

قلت في استبطاء عطاء الفتح:
أعاتبُ إخواني ولستُ ألومُهمْ              مُكافحةً أن الملومَ المُلَومُ
وما أنت بالثاني عِناناً عن العُلى           ولا أنا بالخلّ الذي يتجرمُ
سأحملُ نفسي عنك حملَ مُجامل          وأكرِمُها إن كانتِ النفس تُكرمُ
وأبعدُ حتى تعرضَ الأرض بيننا         
ويُمسي التلاقي وهو غيبٌ مُرجمُ
عليك السّلامُ أقصرَ الوصلُ فانطوى      وأجمعَ توديعاً أخوك المسلّمُ
وما منعَ الفتحُ بن خاقان نَيْلهُ                ولكنها الأقدارُ تُعطي وتحْرمُ
خلا أن باباً ربما التاثَ دونه                ووجهاً طليقاً ربما يتجهمُ
سحابٌ خَطاني جودُهُ وهو مُسبلٌ          وبحر عداني فيضُهُ وهو مُفعمُ
وبدرٌ أضاءَ البدرَ شرقاً ومَغرباً            وموضعُ رجلي منه أسود مُظلمُ
أأشكو نداهُ بعدما وسِعَ الورى              ومن ذا يذم الغيثَ إلا مُذَمّمُ

الصوت الثاني
«الفتح بن خاقان»

احتجب المتوكل عن ندمائه لرمَد عرض له، فكتبت إليه:
عيناك أجملُ من عينيّ بالرمَدِ     فاسلمْ وُقيت الردى لآخر الأبدِ
من ضن عنك بعينيه ومهجته     فلا رأى الخيرَ في أهلٍ ولا ولدِ

الصوت الثالث
«البحتري»

قلت في معاتبة الفتح بن خاقان:
هل يجلّبن إليّ عطفَك موقفٌ          ثبْتٌ لديك أقولُ فيه وتسمعُ
ما زال لي من حُسن رأيك موئلٌ    آوي إليهِ من الخطوبِ ومَفْزَعُ
فعلامَ أنكرتَ الصديقَ وأقبلتْ        نحوي جنابُ الكاشحين تطلّعُ
وأقامَ يطمعُ في تهضم جانبي        من لمْ يكن من قبلُ فيهِ يطمَعُ
إلا يكنْ ذنبٌ فعدلكَ واسعٌ            أو كان لي ذنبٌ فعفوكَ أوسعُ

الصوت الرابع
«عبّادة المخنّث»

تجارى الجواري بحضرة المتوكل فسبقتهنّ جارية ممشوقة. فقال المتوكل لي: اجْر معها حتى ننظر من يسبقُ صاحبَه. فقلت: إن سبقتها فما لي؟ قال: هي لك، وإن سبقتك صفعتك. فجرت معي الجارية فسبقتني مرة بعد أخرى، فقلت: يا أمير المؤمنين؛ كيف لا تسبقني وهي تجري بمدادين وأنا أركض بخرجين؛ فضحك المتوكل ووهبها لي.
 

«يتبع»
طباعة