رامديف: «اليوغا» تمارين للروح والجسد

 

 

يحمل على عاتقه مهمة يصفها بـ«تبديد الظلام عن الآخرين»، متسلحاً برياضة اليوغا كقدرة روحية، لمعالجة الأمراض الجسدية، وهي التي استطاعت تخليصه من الضغوط الحياتية والإرهاق، ليعيش بسعادة وسلام وأمان ذاتي ينعكس إيجاباً على حياته الشخصية والمحيطين به؛ إنه المعلم الهندي بابا رامديف.

أحدث رامديف ظاهرة في الهند، إذ يتبعه آلاف الهنود الذين يمارسون اليوغا يومياً عند الفجر، كما أمسى ذا مهمة عالمية يجول البلاد بغية نشر حركاته، التي تعتمد على التنفس، وعلى الرغم من شهرته، مازال رامديف يعيش حياته تحت شعار مساعدة البشر،خصوصاً أن شعاره الأساسي «عالم خالٍ من الأمراض».

سبيل إلى السعادة
بدأ رامديف الذي زار دبي لعرض تعاليمه في «التنفس وحركات اليوغا»، ممارسة رياضة اليوغا في سن مبكرة، بعد أن قرأ عدداً من الكتب وتعلم تقنياتها المختلفة، ويقول «لا ألقب نفسي بالمعلم غير أني أعطي دروساً في اليوغا لمساعدة الناس»، ويطلق الهنود عليه لقب «الغورو» أي مبدد الظلام لأنه الشخص الذي يبدد ظلام الآخرين بعد أن تمكن من تبديد الظلام عن نفسه.
 
يهدف رامديف، الذي يرتدي لباساً هندياً تقليدياً برتقالي اللون وحذاءً خشبياً غريب الشكل، من خلال تعاليمه الرياضية الروحية إلى محاربة الأمراض النفسية والجسدية والتخلص من الجوع، خصوصاً أن ايجابيات اليوغا تجعل جسم الإنسان سليماً ومعافى، موضحاً «فلا يصاب المرء بالكوليسترول والضغط والأكزيما وغيرها»، معتبراً إياها علاجاً سهلاً، في حين يتمكن المريض من السيطرة على أماكن ضعفه ومعالجة نفسه من خلال تقنيات تنفسية خاصة، مؤكداً أنه يستطيع شفاء عدد من أمراض السرطان.

تحول اليوغا حياة الإنسان إلى الأفضل، ويؤكد المعلم الهندي أن الجسم السليم يضمن السعادة، بحيث يحصل على الراحة والطمأنينة النفسية والتحلي بالقوة والصبر لمواجهة ضغوط الحياة المرهقة، غير أن نوعية الحياة اليومية تؤثر في الإنسان سلباً أو إيجاباً، يحتاج جسم المرء في الأماكن المغلقة إلى المزيد من الأكسجين، لكن ممارس اليوغا يستطيع التكيف معها لأنه يتعلم كيفية التكيف مع الوضع المزعج، قائلاً إن التحكم بمتقلبات الحياة المفاجئة تمسي سخـيفة وسطحية، لأنه قادر على التحكم بنفسه ومساعدتها وتقليص المصاعب، مشيراً إلى أن حياة العرب أكثر صعوبة وإرهاقاً من الغربيين، لذلك يحتاجون إلى اليوغا سبيلاً للخلاص، لكنه لا ينفي الحاجة إلى الريــاضة الجسـدية التي تتطلب الجهد مثل الركض والسباحة، داعياً لاعتماد التوازن في الحياة، غير أن إيجابيات اليوغا تتجسد في قدرتها على مكافحة الأمراض في حين تساعد الرياضة الجسدية على حرق الوحدات الحـرارية وشـد العضلات.
 
رياضة عالمية شافية
يمكن للبعض ممارسة اليوغا استناداً إلى الكتب أو أفلام الفيديو، إلا أن رامديف، يفضل أن يخضعوا لعدد من الصفوف كي يتعلموا التقنيات الأساسية والصحيحة في البداية، «لأن الكثيرين يخطئون في تطبيقها أو يحتاجون إلى تمارين خاصة لحالات معينة تصيبهم»، فاليوغا تحولت إلى ثقافة عالمية يمارسها الملايين بفضل المدارس المنتشرة في كل أنحاء العالم، لاسيما أنها ليست باهظة الثمن، إذ يعتبرها رياضة موجهة إلى عامة الناس، خصوصاً أن غالبية تابعيه هم من عامة الشعب في كل أنحاء الهند.
 
وفي الوقت نفسه، يؤكد المعلم الهندي وجود مخادعين يدّعون بأنهم معلمو يوغا بغية كسب المال، إلا أن الحقيقة تنجلي حين لا يجد تلامذتهم أي فوائد ملموسة، ويزور رامديف المقاطعات الهندية كي يلتقي محبيه، وحيث يملك مراكز خاصة به وتبلغ نحو 150، قائلاً «يوجد في كل مركز آلاف الأشخاص الذين يواظبون على القدوم يومياً عند الخامسة صباحاً»، لذلك يقر بأنه إنسان مشهور في الهند، وكذلك في الولايات المتحدة الأميركية وكندا وبريطانيا وجنوب إفريقيا واليابان. وبفضل براعته، حظي رامديف، الذي يزور دبي والشرق الأوسط للمرة الأولى، بشهرة عالمية ليصنف معلم يوغا عالمياً، لكنه لا يحلم بالعالمية لأن هدفه السامي هو مساعدة البشر، ويعتبر أن هدفه هو «عالم خالٍ من الأمراض»، ويشدد «نشرت نوعاً من الوعي والإدراك بأن التأمل الفكري والرياضة الروحية ينوران الروح وينقيان الجسد»، ويصفها بالصحية والمفيدة أي العـودة إلى الطبـيعة والبساطة.
 
يساعد رامديف، الذي اختار اللون البرتقالي لأنه يحمل معنىً في الثقافة الهندية، عدد من تلامذته لتوجيه وتعليم الناس، «أجلس في المقدمة وأقوم بالحركات في حين يشرف تلامذتي على الناس مباشرة وعن قرب».
 
بالإضافة إلى اليوغا، يستطيع رامديف مداواة أنواع عدة من الأمراض بعضها مزمن وصعب بواسطة أدوية مستخرجة من الطبيعة، فهو يستقبلهم على مدار الساعة ويساعدهم بتقديم العلاج المطلوب، لكنه لا يعتبر نفسه طبيباً بل مداوياً يجمع بين الطب الشعبي والرياضة الروحية.
 
وعلى الرغم من قدراته، يوضح أنه لا يستطيع شفاء حالات معينة ويقول «لا يمكنني إنقاذ شخص تعرض لذبحة أو سكتة قلبية أو حالة طارئة». وعن حاجة الناس إلى الأدوية الطبية، يؤكد رامديف أن الإنسان الذي يتبع نظاماً صحياً سليماً ويمارس الرياضة لا يحتاج إليها، لأنه يكتسب مناعة طبيعية.

في أحضان الطبيعة
يقول رامديف ان «أحضان الطبيعة هي المكان الأمثل لممارسة اليوغا»، لكن الحرارة يجب أن تكون نحو 25 درجة لأن حرارة الجسم المرتفعة أو المنخفضة تسبب تراجعاً في أداء الجسم وتجاوبه مع الحركات، موضحاً أن الاعتدال هو مبدأ الحياة الصحيحة، أما بالنسبة إلى الوقت الأمثل لممارسة اليوغا، فيوضح رامديف أن الفجر هو الأفضل أي عند الخامسة أو السادسة حيث يسيطر الهدوء.

وعن نوعية الطعام المتناولة، يعتمد المعلم الهندي نظاماً غذائياً صحياً ويتناول الخضراوات والفاكهة وشرب المياه بحجة أن الحفاظ على الجسم السليم يتطلب نوعية طعام صحية، ويبتعد عن المياه الباردة والكافيين والشاي والمأكولات السريعة والمشبعة بالدهون، ويشدد «أتناول القليل من الطعام خصوصاً في المساء» لأن الإكثار من الطعام في المساء يصعب ممارسة اليوغا في الصباح، ويعتقد رامديف أن المرء أدرى بمصلحته، لذلك عليه أن يكون منظماً ومهتماً بنفسه خصوصاً أن الأسلوب السليم يضمن له حياة أطول، وأكثر راحةً وسلامةً.
 
يعيش رامديف في وسط الطبيعة، فهو يقيم في مزرعة تحيط بها الأشجار والمساحات الخضر، لكنه «يستطيع التأقلم في أي مكان ويمارس فيه الرياضة الروحية»، فلا فرق عنده بين القرية والمدينة لأن حياته بسيطة جداً، فهو ينام على الأرض، لكن التواجد في أحضان الطبيعة يشعره براحة أكبر.

وعن الناحية المادية، يؤكد رامديف أنه لا يسعى إلى الثراء أو الربح من وراء اليوغا، لأنه يسدي خدمة إنسـانية، كما أنه لا يملك حسابات مصرفية، حتى إنه يقدم المساعدة مجاناً، ولا يقبل إعطاء دروس خاصة أو شخصية، قائلاً «من المســتحيل أن أقبل حتى ولو أعطوني مبالغ مالية كبيرة». 
 
 
فكرة اليوغا وأنواعها 
انبثقت اليوغا من الثقافة الهندية القديمة «الفيدا»، وتعني اتحاد الجسم والعقل، وهي نوع من التأمل الفكري والروحي والتنفس الذي يحرر الجسد من الناحية الفكرية، حيث الإيمان بأن التحرر الروحي يؤدي حتماً إلى تحرر الروح من المادة والأشياء الزائلة. ويكتسب الجسد ليونة كبيرة للتمتع بلياقة بدنية كبيرة والتمكن من التحكم بالتنفس، وتختلف قدرات البشر وفقاً لقدرتهم على الوصول إلى الكمال.
 
وظهرت اليوغا منذ نحو 5000 سنة في الهند، وانتشرت تدريجياً بصفتها تدريباً تأملياً روحياً يساعد على تحسين صحة القلب وتنشيط العضلات، والشعور بالراحة والسكينة والسلام. ويوجد أكثر من 40 نوعاً من اليوغا حيث تعتبر «الهاثا» أقدمها وأشهرها لاعتمادها على التنفس من خلال اتخاذ وضعيات مختلفة، وهي مناسبة للأشخاص الباحثين عن الراحة والسلام النفسي خصوصاً للذين يعانون الضغوطات الحياتية والإرهاق.

ومن أنواعها، يوغا «الهاثا أماندا» أي يوغا التأمل و«أشتانجا» للحركة و«كلية بيرخاما» للحرارة، في حين تسمى مقدمة يوغا التأمل بيوغا «أنتيجرال» فيما تستند «كوندالينا» إلى نفس النار. أما «كريبالو»، فهي تلك التي تصمم وفقاً لحاجة الأفراد ومتطلباتهم الشخصية، و«لينجار» هي يوغا الدقيقة.

ويعد «تحديد الأهداف ومدى اللياقة» هما العاملان الرئيسان لاختيار نوع اليوغا المفضل، من بين أنواعه وأشكاله المختلفة.