من تورينو إلى باريس

يوسف ضمرة

 

عندما كتبنا عن دعوة معرض تورينو كيانَ العدو الصهيوني ضيفَ شرفٍ هناك، احتفالا بالذكرى الـ60 لاغتصاب فلسطين، ظن الكثيرون أننا نبالغ، وأننا ننطلق من فكرة المؤامرة، رغم أن فكرة المؤامرة لا تعيب أحداً، لأنها حقيقة قائمة، إلا لمن يريدنا أن نصدق أفكاره مدفوعة الأجر! الآن، تعلن باريس استضافتها الكيان الصهيوني ضيف شرف أيضاً، في معرض الكتاب الذي سيقام في الـ16 من الشهر الجاري، احتفالاً بالمناسبة ذاتها.
 
لن نسأل: لماذا يحتفلون؟ فالإجابات متشابهة، وتكاد تكون معروفة. لكن هنالك سبباً لا بد من البوح به، أو التذكير به. وهو أن الغرب لا يحتفل بهذا الكيان «كرمى لعيونه الزرق» فقط، بل بوصف هذا الكيان خشبة الخلاص التي أنقذت أوروبا والغرب كله من اليهود.
 
هذا الكلام ليس استنتاجاً، أو تعبيراً عن رغبة دفينة، ولكنه ما جاءت به كتب المؤرخين الأوروبيين أنفسهم، وآراء كتّابهم ومفكريهم ومبدعيهم، من شكسبير إلى فاغنر. هذا كله واضح ومفهوم، ولا جديد فيه.
 
ولكن غير الواضح بعد، وغير المفهوم تماماً، هو هذا الإصرار العربي، رسمياً وشعبياً على فكرة التعاطف الأوروبي مع الفلسطينيين والعرب في قضيتهم.

سنقارن هذا التعاطف(الوهمي) بالتعاطف الحقيقي مع شعوب أوروبا الشرقية، من دون أن ننسى الحرب الباردة بين معسكرين.. بين أيدولوجيتين.. بين قوتين. فنلاحظ مدى العمل الجبار الذي قام به الغرب، انتصاراً لشعوب أوروبا الشرقية، مساعدة لها في التحرر من النفوذ السوفييتي، والنظام الشمولي.
 
لم تبق جمعية أو مؤسسة من مؤسسات المجتمع المدني في الغرب، إلا وأسهمت -إلى حد كبير- في ربط شعوب أوروبا الشرقية بالغرب، تراثاً وحضارة وتاريخاً وثقافة، سعياً لإبقاء الذاكرة الشرقية في حال من النشاط الدائم، تمهيداً للقيام بالقفزة الأخيرة المنتظرة. هنا يحدث العكس. يخبروننا أن الشعوب الأوروبية تتعاطف مع القضية الفلسطينية، حسناً.. ثم لا يحركون ساكناً أمام فعل الإبادة الجماعية التي يتعرض لها الفلسطينيون.

يخبروننا أنهم يتعاطفون مع الفلسطينيين، وهو يرون مليوناً ونصف المليون من أبناء غزة، محاصرين، يتضورون جوعاً، وبلا ماء وكهرباء ودواء ومدارس و و..، ثم يقومون بإرسال بعض الهدايا الرمزية، كسيارات الإسعاف التي يعرفون أنها ستقصف لو حاولت القيام بواجبها.
 
يقتل أطفال غزة الرضع بالقذائف الصهيونية، ويخرج مجلس الأمن المختطف من الغرب، ببيان يحمّل هؤلاء الأطفال مسؤولية موتهم، وتبعات فعل القتل النفسية على الجنود الذين يدافعون عن أنفسهم! أي إن الغرب تجاوز خانة المساواة بين الجلاد والضحية التي كانت خطوة في طريق انهيار منظومة القيم الأخلاقية الدولية.
 
والآن، بماذا تحتفل باريس هذا الشهر عملياً؟ في اختصار: إنهم يحتفلون بأبشع عملية إبادة جماعية عرفها التاريخ البشري؛ كونها تجري أمام عيون هذا العالم الذي لايزال يتشدق بأكاذيب الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.
 
أما نحن العرب، فإن كثيراً من الكتّاب يسيل لعابهم، لمجرد توجيه الدعوة إليهم للمشاركة في معرض كهذا، وربما يحرص بعضهم على إظهار الوجه الحضاري جداً، حين يجالس عاموس عوز أو حاييم غوري أو ديفيد غروسمان، وغيرهم، ممن يتشدقون بانتمائهم إلى اليسار، وهم الذين طالبوا جهاراً نهاراً، بتدمير بيوت الجنوب اللبناني كلها على ساكنيها في عدوان يوليو 2006!   
            
 
 
 
طباعة