توفر مؤتمرات الإعلام العربي ومنتدياته التي تتكرر في غير بلد عربي كل عام فرصة للمصافحات والقبلات، والسؤال عن الحال والأحوال بين الصحافيين والإعلاميين، وهي بذلك تحقق هدفاً مهماً، مادامت تعجز عن تحقيق غيره.
ولا بأس في ذلك، فبعد أن يغادر المشاركون منصات الكلام، ثمة حديث آخر في المسكوت عنه، ولكن بعيداً عن مكبرات الصوت والكاميرات، في تسلية موسمية، لابد منها، تجنباً للصداع، وجبراً لخاطر المنظمين، من أجل العودة في السنة التالية لحضور التظاهرة، والتواصل إنسانياً مع الزملاء.. وهكذا.
ما ينقص الإعلام هو كلام في المحظور العربي برمته، وإذا شئت الخوض فيه في أي بلد، فعليك أن تذهب إلى التعميم، كأن تقول إن حرية التعبير غير مكفولة في القوانين العربية، أو أن تؤكد أن لا صحيفة مستقلة في العالم العربي، وتعفي نفسك ومستمعيك ومضيفيك من الأسباب، لأنهم يعرفونها مثلك، ويبتعدون عن الخوض فيها، لأن لكل مقام مقالاً. بذلك أنت تتجنب الحرج مع البلد الذي تزوره، ولا يكلفك ذلك شيئاً في سبيل أن تظل جزءاً من السياحة الفكرية الشائعة لدينا.
يختار المنظمون عادة عناوين كبرى لمؤتمراتهم ومحاورها، وكل ذلك في تشخيص علل الإعلام العربي وأزماته، أو هكذا يبدو. وفي سياق من الابتعاد التام عن العلة الرئيسة في غياب الحرية، لأن غيابها في حقيقة الأمر يقع ضمن سلسلة طويلة من الغيابات للحريات والحقوق العربية، والنقاش في ذلك لا يسلم من الأذى أو إثارة الغضب، ويبدو أنه في غير مكانه، إلى الحد الذي يجعل مؤتمرات الإعلام العربي مستنسخة عن بعضها. العناوين متكررة، وكذلك وجوه المشاركين، بحيث أنك إذا سمعت كلاماً في صميم أزمة الإعلام وبجرأة وصراحة فإنك تستنتج أن المتحدث مدعو للمرة الأولى، وفيه حماسة مُحدثي الدعوات، وستتأكد أنك لن تراه في العام المقبل.
كنت أظن أن المسألة متعلقة فقط بمؤتمرات الإعلام، لكن يبدو أن العلل العربية لا تعرف كثيراً من الاستثناءات. فمؤتمرات الإدارة العامة، والمصرفيين، والمعنيين بتنظيم المدن والشؤون البلدية تكتظ بالمحذوف، وما يجب أن يتجنبه المشارك، من باب احترام المضيف، وعدم الإساءة إلى تقاليد الضيافة العربية. لاحظوا كيف أن الحقيقة أو نصفها غير مطلوب عربياً، ويعني في ما يعنيه إساءة..
فالحديث بصراحة عن أنظمة الإدارة العربية سيصل إلى أن كثيراً منها قديم ومتخلف، وربما لايزال يرتبط بقوانين وأساليب عثمانية، ولكن ذلك في إطار من التعميم، فإذا أشرت إلى بلد عربي واحد، سيتصدى لك ممثله في المؤتمر، متقمصاً دور حكومته، ليقول لك كلاماً مثل «الزم حدك»، ما يجعل المضيف في حرج شديد، وقد يُسفر ذلك عن انسحابات واعتراضات، تذهب بالتظاهرة إلى الفشل.
الإعلام، مثل غيره. الأكثر جدوى أن نطرح عناوين كبيرة، ونختار لها متحدثين مدربين على خطاب ممتع، ولا يؤدي إلا إلى تصفيق لحظات، أو أن نتحدث دائماً في الهوامش، لأننا أمة تحرص على موقعها بين الأمم، ولا عجب أن توصيات مؤتمراتنا مطبوعة في كراسات أنيقة ومحفوظة في أرشيف المؤسسات، حيث يحتفي بها الغبار والنسيان.
